نحو عقلنة الخلاف السياسي

فيصل محمد صالح

لو راجعنا هذا التاريخ سنجد أن معظم، إن لم يكن كل القوى السياسية، قد اتخذت في بعض الأحيان خيارًا سياسيًا يراه الباقون خاطئًا، فلو استحقت كل تلك التقديرات صفة الخيانة، فلن ينجو أحد.

طريقة تعاملنا مع الخلافات السياسية، وأعني القوى السياسية المدنية، تحتاج إلى وقفة ومراجعة، خاصة في مثل ظروفنا الحالية، والعودة إلى بعض البديهيات السياسية المعروفة في ترتيب الخلافات حسب أولويات المرحلة.

الذي يحدث الآن هو جعل كل خلاف كأنه مدخل لقطيعة جذرية تبدأ وتنتهي باتهامات التخوين والنفي من الصف الوطني، بدلاً عن تخطئة الخيارات السياسية عبر النقاشات والمقارنات.

في فترة الفريق عبود تم طرح فكرة قيام برلمان محدود الصلاحيات تحت مسمى المجلس المركزي، عبر انتخابات تُقام على الأساس الفردي وليس الحزبي.

رفضت كل القوى السياسية الفكرة وقاطعتها، إلا الحزب الشيوعي السوداني، إذ رأى في هذه التجربة فرصة للعمل الجماهيري القاعدي والتواصل مع الناس، وهو ما كان محرومًا منه تحت ظل الحكم العسكري.

لا يزال الجدل يدور حول تلك الخطوة، ولا زلت أرى أن للحزب الشيوعي وجهة نظر مقبولة في تلك الفترة، رغم أن أغلبية القوى السياسية كانت ترى غير ذلك.

خلال حكم النميري جرت مصالحة بين حزب الأمة وجناح من الاتحادي الديمقراطي مع نظام مايو، وجاءت المصالحة بعد عام من المحاولة المسلحة لتغيير النظام عام 1976، وكانت وجهة نظر هذه الأحزاب أن العمل المسلح فشل، كما عجز العمل السياسي المعارض، ولذلك فليجربوا اختراق النظام من الداخل.

لم تلقَ هذه التجربة قبولًا من كثير من القوى السياسية، كما لم تلقَ نجاحًا، لكنها كانت محاولة لها منطقها.

يمكن استذكار برلمان وحكومة نيفاشا، وأعني ترتيبات اتفاقية السلام الشامل التي رأى فيها الناس فرصة لتفكيك نظام الإنقاذ وإنجاز التحول الديمقراطي. قبلت أحزاب التجمع الوطني المشاركة في البرلمان بالتعيين، ودخل نواب من الاتحادي الديمقراطي والحزب الشيوعي والتحالف الوطني والنقابات، في حين رفضت أحزاب الأمة والمؤتمر السوداني المشاركة وقالت بعدم جدواها.

قبلها، قَبِل تحالف قوى الإجماع الوطني وجود المؤتمر الشعبي بزعامة الترابي في التحالف، واعتبروا ذلك إضعافًا لنظام الإنقاذ، ومرّ ذلك بسهولة.

وشاهدنا الترابي في دار الحزب الشيوعي، ونقد في دار المؤتمر الشعبي، لذلك ليس غريبًا أن يرى البعض أن وجود جناح علي الحاج في صفوف القوى المدنية المعارضة يعد أمرًا مقبولًا.

لو راجعنا هذا التاريخ سنجد أن معظم، إن لم يكن كل القوى السياسية، قد اتخذت في بعض الأحيان خيارًا سياسيًا يراه الباقون خاطئًا، فلو استحقت كل تلك التقديرات صفة الخيانة، فلن ينجو أحد.
أوليس من الأفضل أن نختلف ونحدد ما نراه من الخيارات الخاطئة دون تخوين؟.

Exit mobile version