عودة لجنة تفكيك وإزالة التمكين (في السياسة والقانون)

د. أحمد عثمان عمر

أثار إعلان عودة لجنة تفكيك وازالة التمكين جدلا قانونيا وسياسيا ، مثلما أرادت القوى السياسية التي أعلنت العودة وحقق مرادها المرحلي من إثارته بكل تأكيد. والجدل حول هذا الحدث السياسي بطبيعته أمر وارد ومحمود، إذا تم دون تهويل او تبخيس، من أجل تقييم موضوعي للحدث في سياق تطور الثورة السودانية وسبل تحقيق أهدافها.

ولا مناص من البدء بالقول أنه سياسياً ليس هناك تفكيك بدون انتقال. فالتفكيك يحتاج لشرعية ثورية مقننة ، وسلطة انتقالية ثورية، ومؤسسات عدلية على رأسها قضاء ثوري مستقل عن سلطة التمكين.

وفي غياب الانتقال يصبح التفكيك مجرد نشاط سياسي محدود، يفتقر للأدوات اللازمة لتنفيذه، وسوف يموت لأنه يحمل عناصر فنائه داخله.

فنشاط اللجنة في هذه الحالة، سيقتصر على العمل على جمع وتصنيف المعلومات ، وفي حال نشرها او تمريرها، ستصبح مصدرا للمعلومات تستفيد منه الولايات المتحدة الأمريكية في توقيع العقوبات على الأفراد والمؤسسات إن ارادت.

ولكن لا يصلح القول أن عودتها للنشاط لا معنى لها لأنها لن تستطيع اعادة الأموال لوزير المالية كما هو مطلوب قانوناً، لأن اعادة الأموال المنهوبة إلى وزارة المالية خطوة لاحقة لاستردادها لا تمنع من اتخاذ الإجراءات التي تسبقها.

عند الاسترداد- ان حدث- بكل تأكيد لن تسلم الأموال لوزير مالية الانقلاب غير الشرعي. إذ أنه من الممكن تركها كأمانات عند الجهة التي أصدرت الأمر بردها، او تكوين حكومة منفى تحصل على اعتراف دولي وتسلم لوزير ماليتها.

أما إلغاء قرارات اللجنة من قبل القضاء غير المستقل التابع للحركة الإسلامية المجرمة والذي يشكل أحد حلقات التمكين المؤثرة جداً، مع قطع طريق الطعن، فهو غير قانوني حتما ويفقد القرارات صفة نهائيتها وإلزاميتها.

هذه القرارات القضائية المسيسة ، لا تمنع صدور قرارات جديدة من اللجنة بحيثيات مختلفة. وقرارات الإلغاء بالطبع باطلة ومن الممكن رفع دعاوى مبتدأة ببطلانها إذا تعذر الطعن عليها بالطرق العادية، وهي لا تمنع اللجنة من ممارسة نشاطها في جمع المعلومات واتخاذ القرارات وإن استحال تنفيذها بسبب الانقلاب وسلطته القصائية التابعة له.

ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن أي تعطيل للمواد الدستورية التي تمنح المشروعية للجنة من قبل الانقلاب غير دستوري وباطل، ويترتب على ذلك ان حل اللجنة من قبل الانقلاب غير قانوني ايضاً.

اللجنة من ناحية دستورية وقانونية قائمة على اساس تشريعي صحيح، لا يتنقص منه التعديلات غير الدستورية الصادرة من السلطة الانقلابية.

لكن من الواضح ان اللجنة لن تستطيع العمل داخل السودان، ناهيك عن استدعاء الأفراد او إجبارهم على الحضور او وضع أياديها على الأموال المودعة في البنوك، وليس لديها اي وسائل تمكنها من إنفاذ تلك الإجراءات بالطبع. لذلك عملها سيقتصر على محاولة استرداد الأموال المهربة للخارج في حال تعاون الدول ذات الصلة معها، طالما أنها منخرطة في مشروع المجتمع الدولي ، مع التحضير والاستعداد لاتخاذ ما يلزم داخل السودان عند تغيير النظام. وسيكفيها حتما إذا تمكنت من الحجز على الأموال المنهوبة التي تستخدم في تمويل التمكين وإطالة أمد الحرب، وإن تم ذلك عبر التعاون السياسي في حال تعذر قبولها كجهة ممثلة للبلاد وفقا لأحكام القانون الدولي.

ما هو وارد أعلاه ليس دفاعا عن اللجنة، او تبريرا لعودتها المرتبطة بوضوح بتصنيف الحركة الإسلامية المجرمة كمنظمة ارهابية بواسطة الولايات المتحدة الأمريكية، بعد غيبة لسنوات طويلة وحجب لمعلومات متوفرة لديها عن الشعب السوداني، ولكنه مجرد محاولة لتقييم هذه العودة ووضعها في مكانها الطبيعي. فعودة اللجنة الان سياسية بحتة ، بهدف توظيف قرار تصنيف الحركة الإسلامية منظمة ارهابية وربما دعمه ليس إلا، ونشاطها سيوفر المعلومة للإدارة الأمريكية لفرض العقوبات وحجز الأموال إن قررت التوسع في إصدار العقوبات وحجز وتجميد الأموال، وهي حتما لن تستطيع ممارسة نشاطها القانوني الداخلي في غياب الانتقال، وسيقتصر نشاطها في الخارج على البعد السياسي على الأرجح، حتى في حال تعاونها مع الولايات المتحدة الأمريكية، لأن الفعل القانوني المباشر ، سيكون في يد الدولة صاحبة التصنيف ووفقا لأرادتها.

والمطلوب هو عدم تبخيس الأثر السياسي لعودة اللجنة وإمكانية توظيفها سياسيا من قبل القوى السياسية المسيطرة عليها، مع عدم تهويل اثرها القانوني لأنه محدود بحكم غياب الانتقال ومؤسساته، والانصراف للفعل السياسي الأهم وهو استكمال بناء الجبهة القاعدية ، لاسقاط التمكين والهدم والبناء عبر سلطة الانتقال المدنية، وعدم التعويل على اللجنة كبديل عن النضال القاعدي المنظم كسبيل وحيد وأساسي لاقتلاع التمكين، واللجنة في احسن أحوالها وبكل قواها حين تتوفر الظروف، ليست سوى اداة واحدة من ضمن أدوات أكثر منها أهمية كالمؤسسات العدلية، حتى بعد إصلاحها وتفادي العيوب التي واكبت ادائها.

وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!!

Exit mobile version