مجزرة العيلفون

فيصل محمد صالح

توثيق صحفي لمجزرة العيلفون
مرت علينا قبل يومين الذكرى الثامنة والثلاثون لمجزرة العيلفون “2 أبريل “1998، التي راح ضحيتها ما يقارب مائة شاب تتراوح أعمارهم بين 16 و30 سنة، قُتلوا رميًا بالرصاص أو غرقوا في النيل الأزرق أثناء محاولتهم الهرب من معسكر الدفاع الشعبي بمنطقة العيلفون.

وبالتأكيد لم يكونوا وحدهم ضحايا تلك السنوات القاتمة السواد، فقد مات كثيرون في معسكرات التدريب أو في ميادين القتال التي اقتيدوا إليها بالقوة، ومن دون رغبتهم، ومن غير استعداد أو تدريب كافٍ، لكن هذا العدد كان الأكبر في واقعة واحدة.

تناقل الناس أخبار المجزرة دون معرفة التفاصيل، خاصة في ظل التعتيم الذي كان يمارسه نظام الإنقاذ على الأخبار والمعلومات، ولم يكن استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي سائدًا في تلك الفترة. لكن المصادفة البحتة جعلتنا في جريدة “الخرطوم” بالقاهرة شهودًا على بعض وقائعها، ومصدرًا وحيدًا للمعلومات عنها نقلًا عن شاهد عيان ناجٍ من المجزرة.

بعد أيام قليلة من الحادث، جاء زميلنا الصحفي ورسام الكاريكاتير إسماعيل رحال ليقول لي إنه التقى، في شقة بعض الأصدقاء بالعجوزة، شابًا صغير السن يقول إنه من الناجين الذين هربوا من المعسكر ووصلوا إلى القاهرة. كان الأمر غريبًا ومثيرًا للشكوك، لكنني طلبت منه أن يذهب فورًا لإحضاره.

بعد حوالي ساعة، كان يجلس أمامنا، ومعي زميلتي رجاء العباسي، شاب لم يبلغ العشرين من العمر، اسمه إبراهيم. بدا عليه التعب والاضطراب، غير مرتب في الحديث، لكنه عفوي وبسيط بطريقة جعلتنا نستبعد تمامًا فكرة أنه مدفوع ليقول ما قاله لنا أو مدّعٍ. بعد ساعات طويلة استطعنا أن ننتزع منه القصة كاملة، لننشرها في الصحيفة في اليوم التالي، مشفوعة بالصور له ولأجزاء من جسده كانت تظهر فيها الجروح.

قال إبراهيم إنه يعمل حلاقًا متنقلًا ليعيل والدته، يحمل عدة الحلاقة في حقيبة يجول بها في الأسواق، ويدرس مساءً في مدارس كمبوني. وقد وقع أسيرًا لحملة من الجيش “كشة” كانت تلتقط الشباب من الأسواق وتذهب بهم إلى المعسكرات.

قال إنه أبرز لهم بطاقته الطلابية، لكنهم ردوا بأنهم يعترفون فقط بالمدارس النظامية، وبالتالي لن يعتبرونه طالبًا، وأخذوه مع مجموعة من الذين تم القبض عليهم إلى معسكر الدفاع الشعبي بالعيلفون.

وبحسب شهادته، قال إن معظم المقبوض عليهم كانوا من عمال اليوميات والباعة الجائلين، ولم يكن من بينهم طلاب المدارس والجامعات النظامية. خضعوا لتدريب مكثف لرفع اللياقة البدنية والانضباط العسكري والتشكيلات والمارشات، بجانب محاضرات دينية عن واجب القتال والجهاد. واشتكى من سوء الأكل والمعاملة المهينة التي كانوا يتعرضون لها.

وفي الأيام الأخيرة تلقوا تدريبًا على فك وتركيب الأسلحة وكيفية إطلاق النار، دون أن يتدربوا عمليًا على ذلك.

عندما اقترب عيد الأضحى، سألوا إن كان يمكنهم قضاء عطلة العيد مع أسرهم، وكانت الإجابة بالنفي. وقبل يوم من الهروب الكبير، أسر أحد الجنود المشرفين على التدريب لمجند من أقاربه أنه سيتم نقلهم بعد يومين إلى الجنوب، ليكتمل تدريبهم هناك للمشاركة في العمليات العسكرية.

تناقل المجندون الخبر، وقرروا التمرد والهروب بعد تمام المساء. وفعلاً، ما إن دوت صفارة انتهاء التمام ليعود المجندون إلى العنابر، اتجهوا جريًا نحو سور المعسكر المصنوع من السلك الشائك، واقتلعوه، وبدأوا في الجري نحو النهر “النيل الأزرق”.

حكى إبراهيم أنه كان ممن اقتلعوا السلك الشائك، وأصابه ذلك بجروح في اليدين والظهر. وقال إنه لم يلتفت خلفه أبدًا، خاصة بعد أن دوى صوت الرصاص، وكان يشاهد المجندين يتساقطون، حتى وصل إلى ضفة النهر. وجد المجندون قوارب صغيرة لا تكاد تسع عشرة أشخاص، وكان على متنها أكثر من ثلاثين أو أربعين شخصًا، وشاهد بعضها يغرق. ولأنه يجيد السباحة، فقد قرر العوم، وفعلاً سبح حتى وصل إلى الضفة الأخرى، وآواه أحد المواطنين في بيته حتى الصباح، وأعطاه مبلغًا صغيرًا وصل به إلى خاله في السوق الشعبي بأم درمان.

كيف وصل إلى القاهرة إذن؟
روى أنه قرر، قبل اعتقاله، السفر إلى القاهرة ليبحث عن فرص عمل ودراسة، وحصل على تأشيرة الدخول، وقطع تذكرة القطار إلى حلفا (وقد تحققنا من تلك المعلومات والتواريخ والتأشيرات من جواز سفره). لذلك أرسل خاله ليحضر جوازه من المنزل، وقطع التذكرة ليسافر في اليوم التالي إلى حلفا ومنها إلى القاهرة.

نشرنا الخبر في الصفحة الأولى، وكامل القصة في صفحة داخلية، فأحدثت ضجة كبيرة، وتوالت علينا الاتصالات من وكالات الأنباء والصحف والفضائيات، وصار مقر صحيفتنا مزارًا لهم ليلتقوا بإبراهيم ويجروا الحوارات معه. وقدمناه للقيادات السياسية في القاهرة، وتبنى قضيته الأستاذ فاروق أبو عيسى، وأجرى الاتصالات مع الوكالات الدولية المختصة. وكانت قصة إبراهيم سببًا في اعتماد طلبات الهاربين من التجنيد القسري وتسجيلهم في سجلات اللجوء ثم إعادة التوطين، بعد أن كانت وكالات الأمم المتحدة تقول إن الهروب من التجنيد الإجباري ليس سببًا مقنعًا للجوء. وكان إبراهيم ممن تمت إعادة توطينهم في كندا.

بعد أيام، جاء عبد الرحيم محمد حسين في زيارة للقاهرة، وسألته صحيفة “الحياة” عن القصة، فنفاها تمامًا، واتهم الصحيفة باختلاقها، وقال إن هذا الشاب موجود بالقاهرة منذ أشهر طويلة. جاءنا مندوب من صحيفة “الحياة”، وسلمناه الجواز ليراجع تواريخ السفر وتأشيرات الخروج وختم الدخول، وكانت ردًا كافيًا وشافيًا.

تم فتح هذا الملف في الفترة الانتقالية، وتم البحث عن المقابر الجماعية التي دُفن فيها الضحايا، ونُبشت الجثث وشُرحت، وفتحت بلاغات ضد ثلاثة من كبار المسؤولين في حكومة الإنقاذ، ثم جاء الانقلاب العسكري وأوقف كل إجراءات القضية.

وأذكر أن صديقنا الكاتب المسرحي والممثل القدير ياسر عبد اللطيف، رحمه الله، أعد مسرحية عن هذه المجزرة وعرضها في المسرح القومي، وقد وفرنا له أرشيف الجريدة، كما أجرى معنا حوارات تمهيدية قبل كتابة النص.

رحم الله الشباب ضحايا المجزرة، وكل ضحايا الحروب والعنف في بلادنا، وأعاد لبلادنا الأمن والسلام والديمقراطية، والمناخ المناسب للعدالة، حتى لا يهرب المجرمون، أيًا كانوا، من مواجهة العدالة ودفع ثمن جرائمهم.

شكرا للزميلة العزيزة رجاء العباسي التي وجدتها تحتفط بهذا الفيديو، ويظهر فيه إبراهيم يتحدث من داخل مكتبنا بالقاهرة للزملاء رجاء العباسي واسماعيل رحال وأستاذنا الراحل حيدر طه.

Exit mobile version