تزايد ظاهرة التسول مع استمرار الحرب في السودان

الخرطوم - تقرير: مشاوير

تفجرت ظاهرة التسوّل في السودان بصورة لافتة خلال الحرب، لكنها توسعت في الفترة الأخيرة وبخاصة في ولاية الخرطوم، لتتحول من مجرد سلوك اجتماعي محدود إلى شبح أمني مقلق، بات يمثل هاجساً أمنياً واجتماعياً بولاية الخرطوم (العاصمة)، وذلك بعد ظهور فئات جديدة ووجوه غريبة من أطفال الشوارع والنساء المتسولات وكبار السن الهائمين من دون رعاية، ما دفع السلطات إلى إعلان الحرب مباشرة على ظاهرتي التشرد والتسول اللتين استشرتا بصورة مرعبة ومخيفة في شوارع ولاية الخرطوم.

حملات واسعة

وشهد شهر مارس المنصرم، حملات أمنية شاملة مكثفة صباحية ومسائية واسعة تشنها السلطات بولاية الخرطوم لمكافحة التسول والتشرد، استهدفت بؤر تجمعاتهم في شوارع وأسواق محليات الولاية (مثل كرري وبحري).

وفي ثالث أيام الحملات التي استهدفت بؤر الاكتظاظ العشوائي، أعلنت السلطات ضبط أكثر من 800 متسول، ورحّلت الأجانب منهم إلى مناطق محددة (مثل الجريف غرباً) لاستكمال تدابير المغادرة خارج البلاد.

فيما لا تزال قوة مشتركة تضم مزيجاً من الأجهزة النظامية، تتابع حملات المداهمة الواسعة لإلقاء القبض على المتورطين في ممارسة التسول، بهدف إعادة ضبط الشارع العام وحماية المظهر الحضاري للمحلية.

فحص وتدقيق

وكشفت مصادر رسمية عن تحويل كافة الموقوفين فوراً إلى منطقة الجريف غرباً، بالتنسيق المباشر مع فرع مراقبة الأجانب التابع للإدارة العامة للجوازات والهجرة، إذ يخضعون حالياً لإجراءات الفحص والتدقيق القانوني وتصنيف الهويات، تمهيداً لاتخاذ القرارات الإدارية والقانونية اللازمة بحقهم.

ووجهت وزارة التنمية الاجتماعية بإعداد حصر دقيق لأعداد المشردين وتصنيفهم وتحديث البيانات الخاصة بهم، كذلك شكلت لجان فنية مصغرة خاصة لتطوير منهجية شاملة لمكافحة ظاهرة التسول وإعداد تصور للتعامل معها وحصر المشردين.

معاناة المواطنين

ملف أمني

أعلنت الوزارة عن بدء مراجعة شاملة للقوانين، بهدف تجفيف الظواهر السالبة وحماية الأمن العام، مع اتخاذ إجراءات قانونية وإدارية رادعة بحق المتسولين والمتشردين لضمان استتباب النظام والأمن. وقد شاركت فرق من الباحثين الاجتماعيين الحملات الأمنية لدراسة الحالات وتقديم الرعاية المناسبة بدلاً من الاكتفاء بالحلول العقابية.

وشدد وزير التنمية الاجتماعية المكلف بالخرطوم، صديق فريني، على بدء حملات كبرى لمكافحة الظاهرة التي وصفها بأنها “لم تعد مجرد تحدٍ اجتماعي، بل أصبحت ملفاً أمنياً يهدد سلامة مواطني الولاية، ما يتطلب التعامل معها بحزم”.

الحرب والتوسع

في السياق، يوضح المتخصص في علم الاجتماع والظواهر الاجتماعية، إبراهيم محمد سعيد، أن ظاهرة التسوّل في السودان شهدت توسعاً ملحوظاً خلال الحرب نتيجة تداخل عوامل عدة أسهمت بتعطيل قطاعات إنتاجية كاملة تجارية وخدماتية وزراعية في أنحاء مختلفة من البلاد. لذلك أصبح التسول إحدى وسائل العيش والبقاء لكثير من الأسر وليس مجرد خيار هامشي. وهو النوع الأخطر والأوسع انتشاراً والأسرع نمواً، وبات ظاهرة قابلة للانتقال التدريجي من الفوضى إلى التسول المنظم، مما يجعلها مصدر قلق حقيقي يدفع السلطات إلى التحرك العاجل على النحو الذي نراه حالياً.

تكامل الإجراءات

ويشدد سعيد على أن مواجهة الظاهرة لا تحصل فقط بالإجراءات الأمنية، بل تستدعي مواجهة شاملة للقضية وفق معالجات وسياسات اجتماعية متكاملة، تعالج إفرازات الحرب وجراحها العميقة في جسد المجتمع السوداني، في سياق عملية إصلاح وإعمار معنوي إنساني طويل المدى. كذلك لا بد من دمج المعالجات الأمنية مع التدابير الاجتماعية والاقتصادية الأخرى في محاصرة الظاهرة.

وأضاف “الانهيار الاقتصادي الحاد وتدهور قيمة العملة الوطنية والارتفاع الجنوني غير المسبوق للأسعار، مع ظروف النزوح الداخلي وفقدان ملايين الأشخاص لوظائفهم ومصادر دخلهم ومنازلهم، كلها عوامل دفعت الآلاف للانزلاق نحو التسول”.

ونوه إلى أن المشكلة تتفاقم في ظل غياب شبكات الحماية الاجتماعية والدعم الكافي في مراكز الإيواء للذين انتقلوا إلى مدن مكتظة من دون فرص عمل، حيث تحول كثير من النازحين، الذين كانوا منتجين في قراهم أو مدنهم، إلى متسولين في مناطقهم الجديدة.

معاناة أحد الشباب

شبكات استغلال

لا يستبعد سعيد وجود شبكات تستغل النساء والأطفال بهدف استهداف الوافدين وتفكيك الأسرة والبنية المجتمعية، وهنا يظهر البُعد المنظّم للظاهرة، مع احتمالات ارتباطها بالإتجار بالبشر أو في كثير من الأحيان، يتداخل التسول مع أنشطة أخرى من الأعمال الهامشية.

يعتبر التسوّل المنظّم بالمدن هو الأخطر أمنياً، لأنه يمكن أن يتحوّل إلى إتجار بالبشر وتجنيد استخباراتي لمصلحة جماعات مسلحة أو عصابات المخدرات، كذلك يخلق بنية دائمة للجريمة حتى بعد انتهاء الحرب. ووجود مثل تلك الشبكات قد يصبح نشاطاً اقتصادياً يحقق أرباحاً يومية تشجّع على توسعه تحت المظلة الإنسانية، إذ يلاحظ ظهور فئات جديدة من أطفال الشوارع والنساء المتسولات، ما يعني تهديد المستقبل وأزمة ممتدة لأجيال طويلة يصعب إصلاحها وليس أزمة حاضر فقط.

حصان طروادة

من جانبه، حذر الكاتب والأكاديمي مصعب برير من أن يبتلع من وصفهم بـ “حصان طروادة” من المتسولين الغرباء، أمن العاصمة السودانية مجدداً.

قال برير إن الخرطوم تعود هذه الأيام إلى مشهد مقلق لم يغب عن ذاكرة الناس قبل اندلاع الحرب، بسبب تزايد انتشار متسولين غرباء بصورة لافتة، كثير منهم لا يتحدث العربية أو يتحدثها بصعوبة، يتحركون في مجموعات تضم شباباً ونساءً وأطفالاً.

المشهد في شوارع أم درمان والخرطوم وبحري، في ظاهره إنساني بسيط، لكنه في نظر كثيرين يطرح أسئلة أكبر من مجرد ظاهرة فقر.

موجات منظمة

وفق الأكاديمي، فإن الأمر اللافت هو أن هؤلاء المتسولين لم يظهروا فرادى كما جرت العادة، بل وصلوا في موجات واضحة. إذ تشير بعض الروايات إلى أنهم نُقلوا عبر الباصات والشاحنات بصورة منظمة إلى ولاية الخرطوم، وكأن هناك جهة تتكفل بترحيلهم وتوزيعهم بتخطيط محكم داخل العاصمة.

يتابع “وفي أحياء عدة، بدأ بعضهم الإقامة في المنازل المهجورة أو العمل كحراس أو خدم داخل البيوت، وهو أمر يثير قلق السكان الذين يتذكرون جيداً كيف تسللت بعض الشبكات إلى المدن قبل الحرب عبر أغطية اجتماعية مشابهة”.

الخبرة المكتسبة من الحرب علمت السودانيين أن المدن لا تُخترق دائماً بالسلاح أولاً، بل “ربما تبدأ القصة أحياناً بوجود يبدو عادياً في شكل عمالة غريبة، متسولين، أو أشخاص لا يعرفهم أهل الحي، ثم يتحول هذا الوجود لاحقاً إلى شبكة معلومات أو نقاط ارتكاز تستفيد منها جهات معادية عند الحاجة. لذلك، فإن الحكمة تقتضي أن نتعامل مع أي ظاهرة غير طبيعية بجدية منذ بدايتها، فالأزمات الكبيرة غالباً ما تبدأ بتفاصيل تبدو عادية للوهلة الأولى”.

أنشطة مريبة

طالب برير بتنظيم حملات رسمية لحصر المتسولين والتأكد من هوياتهم، ومراقبة وسائل الترحيل التي تنقلهم إلى العاصمة من خلال التنسيق بين الشرطة والأجهزة المتخصصة ولجان الأحياء لرصد أي نشاط مريب، وضرورة وجود خط ساخن للإبلاغ عن الحالات المشبوهة للكشف عن الكثير من التحركات قبل أن تتفاقم المشكلة أكثر، فضلاً عن دور المجتمع في التعامل بوعي ومسؤولية الإبلاغ عن الظواهر الغريبة، ومعرفة من يسكن المنازل المهجورة أو يعمل داخل الأحياء، كلها إجراءات وقائية بسيطة لكنها مهمة.

الأمن في النهاية ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل منظومة يشترك فيها المواطن أيضاً.

لقد دفعت الخرطوم ثمناً باهظاً بسبب الاستهانة بالمؤشرات الصغيرة في الماضي.

Exit mobile version