ذكرى 6 أبريل المجيد.. حين يخاطب البرهان الثورة من بوابات الدم
إبراهيم هباني
في السياسة، لا تكفي النوايا الحسنة، ولا تصلح الكلمات ما أفسدته الوقائع.
لهذا، بدا ظهور عبد الفتاح البرهان في ذكرى السادس من أبريل من أمام بوابات القيادة العامة أقرب إلى مشهد مكتمل المفارقة:
خطاب عن الثورة.. في المكان الذي كسرت فيه.
هنا، في هذه الساحة، لم يكن السودانيون يبحثون عن رمزية، بل عن حماية.
اعتصموا، احتموا بجيشهم، ثم أُغلقت الأبواب، وتحول الأمل إلى واحدة من أبشع صفحات الدم في تاريخ البلاد.
ثم يعود المشهد، لكن بصيغة مختلفة.
خطاب هادئ، إخراج محسوب، وكلمات عن “جيش واحد شعب واحد”.
كأن المشكلة كانت في طريقة السرد، لا في أصل الحكاية.
هذه هي الكوميديا السوداء في أوضح صورها.
أن تخاطب الثورة من الموقع الذي شهد كسرها، دون أن تتوقف عند تلك اللحظة.
أن تستدعي الذاكرة، وتطلب منها أن تنسى.
البرهان، في خطابه، حاول إعادة وصل ما انقطع، مستندا إلى محطات 1985 و2019، لكن الذاكرة السودانية لا تعمل بالانتقاء.
فهي لا تتذكر لحظة الانحياز فقط، بل أيضا لحظة الخذلان. ولا ترى في القيادة العامة رمزا واحدا، بل معنيين متناقضين يتصارعان حتى الآن.
المشكلة ليست في الشعار، بل في التجربة التي أفرغته من مضمونه.
فالشعارات في السودان لم تفشل لأنها ضعيفة، بل لأنها استخدمت في غير موضعها.
ثم إن الخطاب، رغم كثافته الرمزية، بدا محدودا في جوهره.
لم يقدّم خريطة طريق، ولم يقترب من سؤال العدالة، ولم يشرح كيف يمكن الخروج من هذه الحرب التي أنهكت الدولة والمجتمع. كان أقرب إلى محاولة تهدئة، لا إلى طرح سياسي متماسك.
وهنا يتحول المشهد من مفارقة إلى ما يشبه الجنون المؤسسي.
أن تحاول المؤسسة العسكرية أن تكون، في آن واحد، حامية الثورة، وصاحبة السلطة، وخصم الشارع، وشريكة في ترتيبات مع قوى متناقضة.
هذا ليس توازنا، بل أزمة تعريف.
رد الفعل الشعبي جاء صامتا أكثر مما هو صاخب.
والصمت، في مثل هذه اللحظات، ليس رضا، بل فقدان ثقة.
فالناس لا ترفض الخطاب لأنها لا تفهمه، بل لأنها لم تعد ترى فيه ما يغير واقعها.
في السودان، لا تدار السياسة بإعادة تمثيل اللحظة، ولا تبنى الشرعية بالوقوف في المكان الصحيح.
الشرعية تبنى حين تقال الحقيقة كاملة.. حتى في بوابات الدم.