هدنة بلا تغيير: قراءة في مآلات الصراع الأمريكي الإيراني

مشاوير : عمار الباقر

قبل دقائق من نهاية المهلة التي منحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحكومة الإيرانية لفتح مضيق هرمز، أعلن هو بنفسه توصله إلى هدنة مع الحكومة الإيرانية تقضي بفتح المضيق لمدة أسبوعين يتم خلالها التفاوض على عشر قضايا حددتها الحكومة الإيرانية، أبرزها -–حسبما رشح من معلومات- الوقف الكامل لإطلاق النار مع ضمانات بعدم تكرار الهجمات، والاعتراف بحق إيران في امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية وحقها في امتلاك برنامج للصواريخ الباليستية، والسيادة على مضيق هرمز، ودفع تعويضات عن الأضرار التي نجمت عن الحرب، وانسحاب القوات الأمريكية من منطقة الشرق الأوسط، ووقف العمليات على كافة الجبهات.
من ينظر إلى هذه الشروط يجد أنها في جلها عبارة عن أجندة المفاوضات التي كانت جارية في سلطنة عُمان قبل اندلاع الحرب، مما يشير إلى أن الحرب المستمرة على مدى أربعين يومًا لم تُفضِ إلى أي تغير ملموس على الصعيد السياسي. صحيح قد نكتشف بعد حين أن البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي الإيراني قد دُمّرا تمامًا من الناحية العسكرية، وأن ايران نفسها قد دمرت تماماً، إلا أن ذلك لا يمنع بعثها مرة أخرى مستقبلًا. وهو ما ظلت الولايات المتحدة وإسرائيل تبرران به قسوة ووحشية العمليات العسكرية الحالية ضد إيران، وتدفعان بأنهما تريدان القضاء الكامل على هذين البرنامجين وتجنب الدخول في حرب مستقبلية ضد إيران لنفس السبب.

إيران

أما الملفات الجديدة التي دخلت ضمن الأجندة فنجد ملف التعويضات وملف هرمز وانسحاب القوات الأمريكية، وجميعها ملفات ليست في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، ومهما كانت نتيجة المفاوضات حولها. وبالتالي فيمكننا القول إنه وعلى الرغم من الخسائر العسكرية الكبيرة التي من المتوقع أن تكون القوات الإيرانية قد تكبدتها، فقد نجحت بصمودها في ترجمة هذه الخسائر إلى مكاسب سياسية كبيرة سيشعر بها صانع القرار الأمريكي خلال هذه المفاوضات. فلم يكن أحد يتوقع انتصار إيران على أكبر قوة عسكرية في العالم، ولكن ما كان مأمول منها هو صمودها أمام هذه الآلة العسكرية، وبالتالي سقوط هيبتها ولفت الانتباه إلى محدودية قدراتها مهما بلغت قوتها، وهو ما قامت به إيران بالفعل.
من النتائج السياسية المهمة لهذه الحرب أنها قد عمّقت الانقسام داخل حكومات الشرق الأوسط بصورة يصعب ترميمها، حيث تضرر تأثير ونفوذ جامعة الدول العربية باعتبارها التعبير السياسي لمفهوم الشرق الأوسط، لتحل محلها تحالفات جديدة تشمل مصر وتركيا والجزائر باعتبارها الدول صاحبة الجيوش الأكبر في المنطقة، وباكستان باعتبارها القوة النووية الأقرب، والتي باتت تشعر بالخطر الأمريكي الإسرائيلي بعد تصريحات نتنياهو في نشوة نصر زائف بأن الدور سوف يأتي على هذه الدول بعد الانتهاء من إيران. ويقف هذا الحلف في مواجهة مساعي لتشكيل حلف اقتصادي موازي يدعو الي الذوبان الكامل داخل مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تقوده اسرائيل، وتقود هذا التوجه دولة الامارات وتتعاطف معه معظم دول مجلس التعاون الخليجي الأخري فيما عدا المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان والتان، وباعتبارها دولأً كبيرة من حيث المساحة والسكان والموارد، تستشعر خطر هذا المشروع وتسعى إلى ضبط بوصلة مجلس التعاون الخليجي. لكن، وعلي الرغم من ذلك أجدني قليل الثقة في نجاح السعودية في هذا المسعى، ففي ظل وجود الأسرة الحاكمة في أبوظبي وارتباطاتها القوية بإسرائيل، فمن المتوقع أن تشق هذه الدول، تحت الإغراءات الإسرائيلية الأمريكية، عصا الطاعة على السعودية وترتمي بالكامل في أحضان إسرائيل.

الهدنة المرتقبة

ما يعنينا في السودان من كل هذه التحليلات هو أن خريطة التحالفات ومراكز القوى قد تغيرت في المنطقة، وسوف ينعكس ذلك بصورة مباشرة على بلادنا الواقعة تحت نفوذ القوى الإقليمية والدولية. فالتحالف التركي المصري سوف يعمل على تليين موقف الحكومة المصرية تجاه الحركة الإسلامية، وقد تنجح تركيا في إقناع مصر بالسماح للحركة الإسلامية بلعب دور محدود في معادلة الحكم في السودان.أما على الضفة الأخرى فنجد أن حالة الفناء الإماراتي في الذات الإسرائيلية سوف تعمل على تعميق الشقة بين مجموعة التأسيس الواقعة تحت النفوذ الإماراتي الإسرائيلي، وحكومة بورتسودان الواقعة تحت تأثير النفوذ المصري التركي. وكل ذلك يشي بخطر أن يتحول السودان إلى لبنان جديدة كساحة لإدارة الصراع بين هذين المعسكرين الإقليميين.
كذلك أثبتت هذه الحرب محدودية تأثير دول الاتحاد الأوروبي في المنطقة وعدم قدرتها على ضمان أي اتفاق يُبرم تحت رعايتها، سواء في السودان أو في المنطقة. وتلك حقيقة قد كشفها الإيرانيون منذ سنوات بتجاهلهم الوساطات الأوروبية وقبولهم بوساطة دول تُعتبر أقل شأنًا منها مثل باكستان. وهو موقف يعكس تحولًا استراتيجيًا في ميزان القوى في المنطقة لصالح الصين وروسيا وعلى حساب أوروبا. وبالتالي فعلى المجموعات السياسية السودانية التي تعتمد على دول الاتحاد الأوروبي في رعاية تسوية سياسية مستقبلية في السودان مراجعة حساباتها والانتباه للاعبين الجدد في المنطقة، وأخص بالقول هنا أولئك الذين يستعدون للاجتماع في برلين بعد عدة أيام.
في الختام، وعلى الرغم من كل هذه التعقيدات، فقد أثبتت انتفاضة ديسمبر المجيدة أن النفوذ الدولي والإقليمي يقف عاجزًا أمام إرادة شعبية موحدة. وإذا ما ابتغينا تحويل كل هذه التناقضات على مستوى العالم والإقليم لصالح بلادنا وشعبنا، فكل ما علينا هو ترك كل هذه المصالح والتعقيدات خلف الباب والجلوس إلى مائدة وطنية واحدة لرسم ملامح مشروع وطني نتفق عليه جميعًا، ومن ثم الخروج موحدين لمواجهة هذه المصالح ومراكز النفوذ بصورة جماعية وإعادة توظيفها لصالح هذا المشروع.

Exit mobile version