المجاعة تهدد سكان معسكرات النزوح في كردفان

تقرير - مشاوير

على صوت تجمهر السكان حول سيارة توزيع الوجبات المجانية، استيقظت ليلى سليمان من النوم في مركز إيواء بمنطقة أبو حراز غرب مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، وبسرعة غادرت المعسكر تجري خلف عربة المتطوعين علها تتمكن من الحصول على وجبة اليوم لإطعام أطفالها، بعدما نزحت أسرتها من منطقة الدبيبات بولاية جنوب كردفان.

تعبر سليمان عن شعورها بالأسى وهي ترى أواني نحو 300 شخص وقد عادوا بها أصحابها فارغة، وهم يمثلون 25 أسرة من التي وفدت حديثاً مع تدفقات النزوح الجديدة من مناطق أبوزبد والفولة وبعض قرى محلية القوز.

يشكو المشرف على التكايا والمطابخ المجانية في منطقة أبو حراز حامد البلولة من صعوبة توفير السلع والمؤن الغذائية لتجهيز الوجبات المجانية، بسبب التصاعد المستمر في الأسعار وتقلص تبرعات ودعم الخيرين بصورة تهدد بتوقف عدد من المطابخ والتكايا عن تقديم خدماتها، وبخاصة في ظل التوافد اليومي للنازحين من ولايتي غرب وجنوب كردفان.

وفق البلولة، فإن وضع النازحين بالمنطقة يتدهور بصورة مريعة، لا سيما بعد توقف الدعم والمساعدات الإنسانية من قبل حكومة ولاية شمال كردفان، وكذلك المنظمات المحلية والدولية لأكثر من 60 يوماً، وظل سكان مراكز الإيواء يتشاركون قليلاً مما يملكون.

يوضح المشرف على التكايا والمطابخ المجانية أن “الطعام بدأ ينفد ويمضي العشرات يوماً أو أكثر من دون أكل، مما يعرضهم لمرض سوء التغذية الحاد ويهدد حياتهم بالموت نتيجة انعدام الرعاية الصحية والأدوية.

أوضاع متردية

تقول فاطمة كباشي التي نزحت من مدينة النهود وتقيم حالياً في معسكر إيواء بولاية النيل الأبيض، إن “أوضاع النازحين المعيشية بمعسكرات الإيواء متردية للغاية، فضلاً عن توقف الدعم الحكومي ومساعدات المنظمات المحلية منذ 60 يوماً، ومعظم ما يصل المركز يأتي من طريق الجهود الشعبية أو فاعلي الخير، وهي عبارة عن أشياء متواضعة لا تلبي المتطلبات اليومية، نسبة إلى اكتظاظ المراكز بالنازحين وبخاصة من ولايتا غرب وجنوب كردفان”.

وأضافت أن “عشرات النساء يعانين بشدة، وهناك حالات وفاة سجلت بين السيدات بسبب سوء التغذية والتسمم وحمى الضنك، إلى جانب مضاعفات الولادة وحالات الإجهاض المتكررة”، موضحة أن “وضع النساء الحوامل في معسكرات النزوح سيئ للغاية لعدم توافر الغذاء الكافي للأم وجنينها، فالنساء أثناء الحمل لديهن متطلبات غذائية عالية، وضمان حصولهن على وجبات غذائية متوازنة وكافية أمر أساس”.

من جانبه، أشار عضو غرفة طوارئ شمال كردفان عبدالماجد الصادق إلى أن “وضع النازحين الجدد في مدينة الأبيض يتدهور بصورة مريعة، وتوقف عدد كبير من التكايا، وبات السكان يتشاركون قليلاً مما يملكون مع النازحين، وتوقف 12 مطبخاً خيرياً بسبب عدم توافر التمويل اللازم”.

ولفت إلى أن “التكايا والمطابخ كانت تمثل شريان الحياة لآلاف الأسر التي باتت الآن مهددة بمجاعة حقيقية، بينما تفتك الأوبئة وسوء التغذية بالمئات”، مناشداً المنظمات الوطنية والدولية التدخل العاجل لتلافي هذا الوضع الحرج.

ونوه الصادق بأن “أوضاع مراكز الإيواء في منطقة جنوب الأبيض أفضل حالاً، نظراً إلى توافر مواد غذائية وإيوائية تكفي لمدة 45 يوماً، فضلاً عن وجود عيادات متنقلة وكوادر طبية وأدوية، لكن توافد الفارين من ويلات الصراع المسلح بصورة مستمرة من ولايتي جنوب وغرب كردفان يفوق قدرات المتطوعين ويفاقم الأزمة الإنسانية”.

معاناة المواطنين

تداعيات كارثية

وسط هذه الأجواء، كشفت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في تقرير لها عن عدم تلقي معظم الأسر النازحة في ولايات كردفان الثلاث مساعدات إنسانية خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

وأوضح التقرير أن “91 في المئة من الأسر في شمال كردفان، و72 في المئة بجنوب الإقليم، و87 في المئة في غربه لم يتلقوا مساعدات، وأبلغت معظم العائلات التي تلقت مساعدات بأنها كانت غير كافية لتلبية حاجاتها.

واستند التقرير إلى مسح نوعي شمل 43 منظمة تقودها نساء، إضافة إلى حلقة نقاش مع قيادات نسائية ومقدمات خدمات من منظمات، يقدمن حالياً الدعم الإنساني في جميع مناطق كردفان.

وحذرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة من تداعيات كارثية لانعدام الأمن الغذائي على النساء، إذ قضى أحد أفراد 51 في المئة من الأسر النازحة في جنوب كردفان، و35 في المئة بغرب كردفان، يوماً أو أكثر من دون طعام خلال الأسابيع الأربعة الماضية للمسح.

وذكر التقرير أن نساء نزحن من مناطق النزاع في كردفان تعرضن لحالات إجهاض في الطرقات، وسجلت حالات وفاة بين حديثي الولادة جراء شح الغذاء أثناء النزوح.

وبين التقرير أن الأسر النازحة في كردفان تحدثت عن وجود عوائق أمام الحصول على الرعاية الصحية، تشمل ارتفاع كلفة العلاج وانعدام الأدوية والخدمات المطلوبة.

ووثق التقرير لجوء بعض المرافق الصحية في ولاية غرب كردفان إلى استخدام أدوية بيطرية لعلاج البشر جراء النقص الحاد في الأدوية، إضافة إلى وصول نساء متوفيات إلى المراكز الصحية بسبب بعد المسافات.

شح الغذاء

على صعيد متصل، أوضح الرشيد جبر الدار، وهو أحد النازحين الذين فروا من مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان إلى الأبيض، أن “الأوضاع المعيشية لسكان معسكرات الإيواء تفاقمت خلال الفترة الأخيرة لعدم حصولهم على الغذاء ومياه الشرب والرعاية الصحية، وكذلك نتيجة انعدام المساعدات الإنسانية وتوقف المبادرات الخيرية التي كانت تغطي حاجة عدد من معسكرات النزوح”.

وبين جبر الدار أن “هناك مشكلات عدة تواجه النازحين، منها انقطاع الكهرباء والمياه، إضافة إلى انعدام الرعاية الصحية والنقص الحاد في الأدوية، فكل هذه المعضلات جعلت الفارين من ويلات الحرب يعجزون في الصمود أمامها”.

وتابع “يعاني الآلاف ظروفاً قاسية في ظل شح الغذاء وارتفاع الأسعار وعدم توافر المال والسيولة، مما أجبر بعضهم على ممارسة التسول من أجل توفير لقمة العيش، وبخاصة وسط النساء والأطفال وكبار السن”.

على الصعيد نفسه، قالت الناشطة في مجال العمل الطوعي الإنساني بغرف طوارئ كردفان رباب سليمان إن “الفارين من دوامة العنف المسلح يعانون فقراً مدقعاً، فضلاً عن عدم تقاضي الموظفين في القطاعين العام والخاص لرواتبهم، كما تستمر كذلك معاناة الشباب بسبب البطالة”.

ولفتت إلى أن “أكثر ما يفتقده النازحون في مراكز الإيواء هو المواد الغذائية والمعينات الطبية، لأن بعض الأسر نفدت مدخراتها المالية ولا تستطيع تدبير الوجبات لأطفالها، علاوة على عدم إمكانية شراء الأدوية”.

ونوهت الناشطة في مجال العمل الطوعي بأن “اعتماد الغالبية على مجهوداتهم الفردية لتوفير سبل الإعاشة والصحة سيتوقف بعد نفاد الأموال، مما يتطلب من المنظمات الإنسانية التدخل العاجل لتقديم المعينات الضرورية”.

على نحو متصل، قالت غرفة طوارئ دار حمر إن “المحليات الشمالية لولاية غرب كردفان والتي يوجد فيها النازحون، دخلت مرحلة الكارثة الإنسانية الحقيقية، وسط انهيار كامل لمقومات الحياة وتصاعد خطر في الانتهاكات الأمنية”.

وأضافت في بيان “هذه المناطق تشهد انعداماً تاماً للسلع الغذائية، وكذلك نفاذ المخزون الاستراتيجي، مما أدى لظهور مرض الحصبة وسط الأطفال في عدد منها، إضافة إلى حالات سوء التغذية الحاد، ووفيات ناتجة من الجوع، وانعدام كامل للأدوية”.

وأوضحت الغرفة أن “المستشفيات والمراكز الصحية خرجت عن الخدمة وتوقفت محطات المياه الرئيسة، مما أجبر المواطنين على استخدام مصادر مياه ملوثة تهدد بكارثة بيئية”.

Exit mobile version