عواصف ترابية عاتية تتلف محاصيل السودان الزراعية

مشاوير - تقرير: إشراقة علي عبد الله

في ظل الفترة الانتقالية بين الصيف والشتاء، يتصاعد نشاط الرياح الشمالية في السودان التي تتسبب في عواصف ترابية أو ظاهرة ما يعرف بالهبوب، إذ تتجدد معها المخاوف من التأثيرات المناخية والبيئية التي تصاحبها تقلبات حادة في الطقس.

في وقت يشير مراقبون بأن هذه الظاهرة طبيعية تحدث سنوياً، إلا أن تداعياتها المتزايدة على التربة والبيئة والصحة العامة، علاوة على حدوث الحرائق للمنازل والغابات والمزارع وتعزيز مظاهر الجفاف والتصحر بخاصة شمال البلاد ووسطها بينما تشتد في المناطق الصحراوية وتنقل الرمال إلى المناطق الزراعية، ما يطرح تساؤلات حول التكيف والحد من آثارها التي تظل رهينة بوعي مجتمعي وسياسات فاعلة في حماية البيئة وتقليل خسائرها على الإنسان والأرض.

انقلاب حراري

يقول الراصد الجوي محمد سيف الدين إن “نشاط الرياح الشمالية في السودان تتسبب في ظاهرة ما يعرف بالهبوب، إذ تعد من الظواهر الطبيعية التي تطرأ خلال الانتقال من موسم الشتاء إلى الصيف، وعادة ما تكون مصحوبة بارتفاع درجات الحرارة أو انخفاضها أو هطول أمطار متفرقة تسبقها عواصف ترابية تنتج منها ظواهر متطرفة”.

ويضيف أن “المنظور العلمي لظاهرة الهبوب هو تعامد أشعة الشمس على خط الاستواء، إذ ترتفع درجات الحرارة لتعمق منخفض السودان الحراري، الذي يعمل على سحب الرياح الشمالية الباردة من مناطق العروض الوسطى حول حوض البحر الأبيض المتوسط وأوروبا، فضلاً عن أن الرياح تسري من المناطق الباردة ذات الضغط الجوي المرتفع إلى المناطق الحارة ذات الضغط الجوي المنخفض، لا سيما أن قوة السحب تتسبب في زيادة الرياح الشمالية”.

ويتابع سيف الدين “تنتج من الظاهرة اندفاع كتلة هوائية باردة قوية تحل محل كتلة هوائية حارة، مما يؤدي إلى حدوث إنقلاب حراري، إذ ترتفع الكتلة الحارة إلى الأعلى وتستقر الكتلة الباردة في الأسفل، مما يسهم في إثارة الأتربة بصورة كثيفة، وقد تتطور بحسب شدتها إلى عواصف ترابية أو رملية واسعة الانتشار”.

ويوضح الراصد الجوي “على المواطنين ممارسة نشاطهم اليومي وفق تقارير الأرصاد الجوية، بخاصة الذين يرتادون طرق المرور السريع في أجواء غير مستقرة، إذ تؤدي إلى تدني الرؤية الأفقية، ما يجعلهم عرضة لحوادث السير”.

ويقول “هناك مشكلات صحية مزمنة تتفاقم عند اشتداد العواصف الترابية مثل حساسية الصدر والربو، لذلك يجب البقاء داخل المنازل بقدر الإمكان وعدم الخروج إلا عند الضرورة القصوى مع اتخاذ الاحتياطات بارتداء الكمامات الطبية، لجهة أن الظواهر الجوية المتطرفة لا يمكن السيطرة عليها”.

هيئة الارصاد

هواجس وتحديات

من جانبه، أوضحت المتخصصة في البيئة بشرى حامد أن “ظاهرة الهبوب تعد من الظواهر الترابية العنيفة التي تشكل هاجساً كبيراً يؤرق السودانيين، كونها تحمل كميات هائلة من الغبار والرمل، إذ إن خلال مسارها تقتلع أجزاءً كبيرة من التربة، بخاصة التربة الحية في المناطق الزراعية الخصبة، وكذلك تنقل الرمال من المناطق الصحراوية إلى البيئات الزراعية والمناطق الحساسة”.

وأشار إلى أن “هناك تحديات تترتب من حدوث الظاهرة أبرزها تدهور كبير في التربة وزحف الرمال في الولاية الشمالية وولايتي كردفان ودارفور، وأيضاً تلعب دوراً كبيراً في تدهور التربة الرطبة الزراعية والمراعي، ما يجعلها ذات انعكاسات اقتصادية وبيئية معقدة، لا سيما أن نحو 70 في المئة من السكان يعتمدون على هذه الأنشطة، مما يؤثر في استقرار عيشهم، فضلاً عن أنها تصاحبها حالة من تداخل الفصول في السودان، وعدم انتظام المواقيت المناخية المعروفة، ما يمثل تحدياً يستوجب إيجاد حلول مستدامة تتمثل في أهمية زراعة الأحزمة الشجرية”.

ولفت إلى أن “السودان عضو في مبادرة السياج الأفريقي العظيم التي تهدف إلى إنتاج كميات كبيرة من الشتول وتأهيل واستعادة مساحات واسعة من الأراضي، إذ يجب الاستفادة منها، إلى جانب المبادرات المحلية تحديداً في تأهيل المراعي التي تستدعي جهداً كبيراً نظراً لتأثير الظاهرة عليها، مع تبني التقنيات الحديثة في زراعة الأحزمة”.

وأوضح المتخصص في البيئة “في تقديري التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب تعزيز حصاد المياه باعتبار أن الأمطار مورد مهم في المناطق القاحلة، وإذا لم تستغل بشكل صحيح ستهدر، إلى جانب أهمية أنظمة الإنذار المبكر والتنبؤات الجوية”.

وعي مجتمعي

على الصعيد ذاته، قال الباحث في شؤون البيئة جلال ياسين إن “البلاد حالياً تمر بعواصف باردة تتمثل في العواصف الترابية التي تعتبر مؤشراً بيئياً مقلقاً تتسبب في أضرار بالغة، وعادة ما تحدث في فبراير وحتى مايو، بينما تكون مثيرة للأتربة في شمال السودان ووسطه، ما يؤثر بشكل كبير في تدمير الأراضي الزراعية وإتلاف المحاصيل وتعزيز مظاهر الجفاف والتصحر وتعرية التربة ونقل الطبقات الخفيفة منها وتكوين الكثبان الرملية في المناطق الصحراوية، فضلاً عن أنها تتسبب بشكل مباشر في حدوث الحرائق للمنازل والغابات”.

وأردف ياسين “قد تتمدد العواصف من شمال ووسط البلاد لتجتاح مناطق عدة تؤثر سلباً في العملية الإنتاجية، وتعرض النباتات للإجهاد، بخاصة خلال الفترات الحرجة للزراعة والتكاثر”.

وأشار الباحث في شؤون البيئة إلى أن “حدة الظواهر البيئية في السودان من فيضانات وسيول في فصل الخريف وارتفاع درجات الحرارة في الصيف، ومن ثم الهبوب في الفصول الانتقالية والرياح شديدة البرودة في المناطق المفتوحة، تبدو الحاجة ملحة للتعامل معها بوصفها تحدياً مركباً يرتبط بقضايا البيئة والاستقرار المعيشي، إذ إن تقليل آثارها يظل رهيناً بوعي مجتمعي كبير، وسياسات فاعلة في إدارة الموارد وحماية البيئة لضمان الحد من خسائرها الفادحة على الإنسان والأرض”.

Exit mobile version