لديَّ اعتقاد قديم بأننا، حتى الآن، لا نعرف تاريخنا جيدًا، وما تزال المعلومات حول جوانب كثيرة منه مشوشة ومختلطة بالمغالطات والخيالات وقلة المعرفة. وقطعًا فإنني لا أقصد الخبراء والمتخصصين، وإنما أقصد المواطن السوداني المتعلم العادي.
فالمناهج الأكاديمية في المدارس والجامعات لا تقدم معرفة كافية، وينطبق ذلك أيضًا على الحركة الثقافية والإعلامية؛ وأقصد نشاط الكتابة والنشر، والأعمال الدرامية والإعلامية في الصحف والإذاعة والتلفزيون.
لدينا فجوات معرفية كبيرة في تاريخنا؛ بدءًا من تاريخ ممالك كوش ومروي، ومرورًا بالممالك المسيحية في نبتة والمقرة وعلوة، ثم الممالك الإسلامية في سنار ودارفور وغيرها، إلى جانب غياب تاريخ ممالك الشرق وبعض المناطق الأخرى في السودان.
ما تزال لدينا طلاسم غير محلولة في علاقة الكوشيين بالنوبيين وتعريفهما: هل الكوشيون هم أنفسهم النوبيون، أم أنهما تكوينان مختلفان؟ وهل جاء النوبيون مهاجرين واستطاعوا تدمير مملكة مروي وإقامة ممالكهم على أنقاضها، أم أن الملك عيزانا هو الذي قضى على مملكة مروي؟ أعرف أن هناك آراءً علمية مختلفة حول هذه القضية، لكن لو قمتَ بجولة في الفضاء الإسفيري فلن تجد حوارًا علميًا إلا قليلًا، وإنما شتائم واتهامات وتكفيرًا علميًا لبعض العلماء وآرائهم. فالدكتور محمد جلال هاشم مثلًا، وهو من المعتزين، بل والمتعصبين لنوبيتهم، من الذين يؤمنون بأن النوبيين جاءوا مهاجرين وأنهم استطاعوا “تنويب” الكوشيين.
حقيقة أنني أجد صعوبة في فهم هذا التعصب الذي يؤذي الجهود العلمية؛ فالكوشيون والنوبيون هم أجدادنا، وممالكهم أُقيمت على أرض السودان الحالية، فهي في كل الأحوال ملك لنا كسودانيين، ومعها آثارهم ومعابدهم وأهراماتهم.
وهناك أيضًا بعض المعلومات غير الصحيحة فيما يتعلق باللغات المستخدمة في السودان القديم؛ والثابت أنه تم استخدام الهيروغليفية والمروية. ولكن بينما تم فك شفرة اللغة الهيروغليفية بعد اكتشاف حجر رشيد في مصر، لا تزال شفرة اللغة المروية لغزًا لم يتم حله، وهي بالتأكيد ليست اللغة النوبية الحالية بتفرعاتها.
وبالتالي فإن ما تقدمه بعض الصفحات والكتابات من مقارنات بين اللغات النوبية واللغة المروية القديمة، أو ما تسميه ترجمة نصوص وأناشيد وغيرها، هو أمر غير علمي تمامًا.
حتى التاريخ الوسيط للممالك المسيحية المعروفة فيه فجوات تتعلق ببعض تفاصيله؛ ففيما تورد معظم المصادر المتاحة للقارئ العادي ذكر مملكتي المقرة وعلوة، فإن ذكر مملكة الأبواب المسيحية التي قامت بين الشلالين الرابع والخامس يأتي بشكل خجول، عدا كتاب الدكتور أحمد المعتصم الشيخ “مملكة الأبواب المسيحية وزمن العنج”.
وبمناسبة ذكر العنج هنا، فهذه أيضًا من الأساطير التي ترد في الحكايات الشفاهية والتراث المروي، بينما تقل المصادر الكتابية عنهم: وهل هم مجموعة قائمة بذاتها أم هو مصطلح مرادف لاسم النوبة؟ ومما يزيد غموض حكاية العنج وجودهم الافتراضي في الفترة الغامضة من تاريخ السودان بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر، وهي فترة اضمحلال الممالك المسيحية وقيام السلطنات الإسلامية.
ومن الفجوات التاريخية أيضًا فترة الإظلام في القرنين اللذين ذكرناهما؛ فحين تطالع كتب الرحالة الأجانب عن تلك الفترة وحتى القرن الثامن عشر، ستجدهم يتحدثون عن بلاد وناس يبدو أنهم خارج التاريخ، وكأنهم ليسوا ورثة حضارات قديمة. والإجابة السهلة هي أن العرب القادمين من الصحارى خربوا الممالك القائمة ولم يستطيعوا بناء دولة متحضرة لأنهم مجرد بدو.
حسنًا، ولكن هؤلاء البدو أنفسهم تفاعلوا مع الحضارات القديمة في مصر والعراق وسوريا والمغرب العربي، وأقاموا ممالك حضرية لا تزال آثارها وامتداداتها قائمة حتى الآن، بل وصلوا إلى الأندلس، ولم يقيموا فقط ممالك عظيمة، بل تركوا تأثيرهم في المجتمع الغربي في الفكر والفلسفة والأدب والعلوم الاجتماعية والتطبيقية.
إذن، علينا أن نبحث عن إجابة أخرى.
ثم لدينا فترة مهمة من تاريخنا، منذ القرن السادس عشر وقيام الممالك الإسلامية، تعتمد اعتمادًا كبيرًا على التراث الشفهي، ويغيب فيها التوثيق الكتابي إلا من “عُوينة ود حامد”، وأعني كتاب “الطبقات” للفقيه ود ضيف الله، ثم “مخطوطة كاتب الشونة”، وكتب الرحالة العرب والأجانب.
وقد استمرت هذه الفترة المظلمة حتى دخول الحكم التركي المصري، وهي أيضًا فترة خصبة بالأحداث والوقائع التي تحتاج إلى تمحيص.
ثم تأتي فترة المهدية، وهي فترة يفترض أنها قريبة نسبيًا، وبعضنا كان له جد أو جدة ممن عاصروا المهدية، فشاهده أو استمع إليه في طفولته وهو يروي شيئًا من حكاياتها.
ونتيجة لقربها التاريخي، ثم ارتباطها بالتاريخ السياسي الحديث للسودان والحركة الوطنية، ولا تزال، فقد أثر ذلك في تناول وقائعها بحسب المنظور والموقف السياسي الحالي. ويمكن لأيٍّ منا أن يصنف كتابات فلان أو علان بأنها منحازة مع أو ضد، حسب الانتماء الإثني أو السياسي، رغم وجود كتابات علمية وموضوعية سودانية وأجنبية.
هذه قضايا شائكة ومعقدة، لكنها مهمة. لا أملك إجابات حاسمة عليها، ولا ينبغي لي ذلك، لكنني سأحاول في هذه الزاوية الأسبوعية عرض ومناقشة كتابات عن تلك الفترات من تاريخنا. وشكرًا لأصدقاء كُثُر أثارت اهتمامهم كتابات المؤانسة الرمضانية، فقاموا بإمدادي ببعض الكتب المفيدة.
الإجابات الكسولة لن تفيد؛ نحتاج إلى جهد وبحث ونقاش علمي موضوعي، ليس في المؤسسات الأكاديمية وحدها، بل في الفضاء العام المفتوح.