تتجه أنظار العالم اليوم إلى “إسلام آباد”، حيث تجلس القوى الدولية على طاولة المفاوضات بحثاً عن مخرج من “الخناق” الذي يفرضه مضيق هرمز.
إنه مشهد سيكون في ظني أبعد من مجرد “تسوية سياسية”.
إذ أننا في الحقيقة أمام لحظة كاشفة في تاريخ البشرية، تُعيد فيها الأقدار صياغة مفهوم القوة، لتضع “الكبرياء الإمبراطوري” الزائف في مواجهة مباشرة مع “حقائق كونية” تقول إن القوة المادية مهما بلغت، تظل معلقة بخيط رفيع من تدبير مسبب الأسباب.
فإن جلوس “أعظم قوة عالمية” في إسلام آباد، لا لتملي شروطها، بل لتفاوض على “حق المرور” فقط، ولتأمين انسياب الطاقة، هو تجسيد حي لـ “برهان العجز”.
التاريخ يخبرنا أن الغطرسة لا تُهزم دائماً بجيوش موازية، بل بـ “أدنى الأسباب”.
كما أذلّ الله “النمرود” ببعوضة أقضت مضجعه وأنهت أسطورته، يقف العالم اليوم “مبهوتاً” أمام مضيق هرمز.
هذا الممر المائي، الذي تحول إلى “كوابح إلهية” أوقفت اندفاعة القوى التي ظنت أنها أحاطت بكل شيء علماً وقدرة.
إنها الحالة التي وصفها القرآن الكريم في أبلغ صور التحدي لعجز البشر: “وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ”.
فإذا كان العالم الصناعي بكل تقنياته وأقماره الصناعية يقف اللحظة عاجزاً عن “استنقاذ” أمنه وطاقته من “عقدة” جغرافية بسيطة، فأي غرور بقي لهذا الإنسان؟.
ولعل من أبلغ تجليات هذا الدرس هو “الذهول الإستراتيجي” الذي أصاب أحلافاً تفرقت أيدي سبأ، كان يُظن الي وقت قريب أنها غير قابلة للتصدع، مثل “الناتو”.
لقد جاءت هذه الجيوش إلى المنطقة تحت لافتات إمبراطورية كبرى، لتكتشف في لحظة الحقيقة أن ترسانتها النووية وحاملات طائراتها الشبحية تقف عاجزة عن استنقاذ هيبتها من “عجزها” أمام هذا الممر الصغير.
إن “انحسار الغايات” الذي نراه اليوم في مفاوضات إسلام آباد، حيث يختزل القوي طموحاته في مجرد “تأمين ناقلة”، هو نوع من “الاستلاب القدري” الذي يقلب موازين القوة التقليدية.
إنه تصديق مثالي لقوله تعالى: “ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ”؛ فلا “القوة الطالبة” قادرة على الفرض، ولا “المطالب الإستراتيجية” نفسها أصبحت ميسورة المنال.
ولذا أتصور إن “سر ما يجري الآن” يكمن في مفارقة المعايير السماوية عن الأرضية.
ففي المنطق النبوي، يمكن لـ “شق تمرة” أن يحجب النار، ولـ “سقيا كلب” أن تفتح أبواب الجنة، بينما “حبس هرة” كان كافياً لإهلاك امرأة.
