معارك النيل الأزرق تعمق أزمة التدهور الإنساني للسودانيين
مشاوير - تقرير: جمال البدوي
ينذر التصعيد في العمليات والمواجهات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” والحركة الشعبية/ شمال التي يشهدها إقليم النيل الأزرق على الحدود السودانية – الإثيوبية بتدهور إنساني حاد ومتسارع، نتيجة الأخطار الأمنية المتزايدة التي تتعرض لها طرق الإمداد، مما ينبئ بتفاقم أكثر حدة للوضع الإنساني ويهدد بتفجر كارثة إنسانية وشيكة خلال الفترة المقبلة.
ومع استمرار المعارك المندلعة بالإقليم منذ أواخر مارس الماضي، والتوقعات بتصاعد أكبر لحدة القتال وتوسع رقعته خلال الفترة المقبلة، تتواصل تدفقات النزوح من المناطق الحدودية الساخنة نحو العاصمة الإقليمية (الدمازين) والمحافظات المجاورة لها، وتتزايد الفجوة في النقص الحاد للغذاء والرعاية الصحية والإيواء، خلال وقت تعاني فيه العمليات الإنسانية قيود التدهور الأمني وإغلاق الطرق الرئيسة، وتعجز السلطات المحلية عن توفير حاجات الأعداد المتزايدة للنازحين.
فارون وعالقون
وخلال أكثر من شهرين ونصف الشهر من تصاعد القتال بين الجيش وقوات “الدعم السريع” وحليفته الحركة الشعبية/ فصيل جوزيف توكا، وسيطرة الأخيرة على مدينة الكرمك الاستراتيجية، تصاعدت موجات النزوح من قرى المحافظة، ووصلت أعداد كبيرة من الفارين إلى مناطق شمال وغرب الإقليم الآمنة نسبياً، في مدن وضواحي محليات الدمازين والتضامن، بينهم كثر من النساء والأطفال وكبار السن، وسط ظروف إنسانية حرجة وأزمة حادة في الإيواء والغذاء والرعاية الصحية، بينما لا يزال كثير من العالقين على الطرق الوعرة.
وفي محافظة قيسان الحدودية المحاذية لإقليم بني شنقول قمز الإثيوبي، التي لا يزال يسيطر عليها الجيش، أدت الاشتباكات إلى نزوح مئات الأسر توجهوا صوب محليات الروصيرص وود الماحي بينما ما زال الوضع هناك متوتراً ومتقلباً، وفق منظمة الهجرة الدولية.
وتقع مدينة قيسان على الحدود المشتركة مع إثيوبيا وجنوب السودان، نحو 178 كيلومتراً من العاصمة الإقليمية الدمازين و550 كيلومتراً من الخرطوم، وتتميز بأراضيها الخصبة وبساتين المانغو بالاعتماد على أمطار المنطقة الغزيرة.
نقص حاد
وفق المنظمة، فر منذ منتصف يناير الماضي وحتى الأسبوع الأول من أبريل الجاري، أكثر من 28 ألف شخص من مناطق الكرمك وقيسان نحو مدينتي الدمازين والروصيرص، منهم أكثر من 4 آلاف شخص نزحوا خلال الأيام الـ10 الأخيرة فحسب، بينما فر نحو 7 آلاف إلى داخل الأراضي الإثيوبية هرباً من المعارك المتاخمة للحدود.
ويواجه النازحون نقصاً حاداً في الحاجات الأساس من الغذاء والدواء ومياه الشرب ووسائل الإيواء، وتعيش 87 في المئة من الأسر النازحة داخل تجمعات بمواقع غير رسمية، وبعضهم في مدارس ومبانٍ عامة مكتظة.
تدخلات ومعالجات
وأطلقت حكومة الإقليم مناشدات عاجلة للداخل والخارج بضرورة التدخل العاجل لتوفير مساعدات إنسانية عاجلة للنازحين مع بداية فصل الصيف.
وشدد حاكم إقليم النيل الأزرق الفريق أحمد العمدة بادي على ضرورة تكثيف الجهود الإنسانية وإحكام التنسيق بين مفوضية العون الإنساني الإقليمية والمحافظات المتأثرة بالأوضاع الإنسانية، لضمان استجابة فعالة وتأمين حاجات النازحين والعائدين.
واجتمع الحاكم بمحافظي مناطق باو والروصيرص وقيسان وقيادات حكومة الإقليم ومفوض العون الإنساني الإقليمي، للوقوف على الجهود الإنسانية والتدخلات التي تمت بالتنسيق مع الشركاء، من أجل تأمين حاجات النازحين داخل معسكرات الإيواء والمناطق المتأثرة بموجات النزوح، بمن في ذلك العالقون داخل بعض المناطق.
وفي أول تحرك داخلي تجاه الأزمة، استقبلت حكومة الإقليم أمس الجمعة قافلة إغاثية من ولاية كسلا دعماً لشعب الإقليم ومؤازرة للجيش، بمشاركة المكونات كافة بولاية كسلا، في مقدمهم قيادات الإدارة الأهلية وشريحة التجار.
وأكد بادي لدى استقبال القافلة استعداد حكومته لإفشال المخططات التي تستهدف وحدة وتماسك البلاد، وأن الإقليم سيظل صمام أمان للبوابة الجنوبية للبلاد وسداً منيعاً في وجه المؤامرات الداخلية والأطماع الخارجية.
معاناة المواطنين
حاجات ماسة
من جانبه، كشف وزير الصحة بالإقليم جمال ناصر عن أن الوضع في الإقليم يتطلب تدخلاً فورياً لتقديم المساعدات اللازمة للنازحين وعلى رأسها الخدمات الصحية، وأن حاجات النازحين الماسة للخدمات الأساس والإيوائية تفوق طاقة حكومة الإقليم، مطالباً المنظمات الدولية والإقليمية والوطنية بتدخلات عاجلة لتوفير مطلوبات متكاملة لإيواء للنازحين قبل موسم الأمطار، مبيناً أن الهجمات والاشتباكات، وبخاصة في الكرمك الاستراتيجية، اضطرت السكان إلى إخلاء مناطقهم وقراهم خوفاً من انتهاكات الميليشيات المتمردة.
وأوضح ناصر أن الإقليم يستضيف 10 معسكرات للنازحين حول مدينة الدمازين قبل أحداث الكرمك، إلى جانب فارين سابقين من الحرب في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار، ونازحين قدامى منذ حروب السنوات السابقة بالمناطق الغربية، بمن فيهم عائدون ضمن برامج العودة الطوعية من دول الجوار بكل من إثيوبيا وجنوب السودان.
أعداد متصاعدة
وفق مصفوفة تتبع النزوح التابعة للأمم المتحدة، ارتفع عدد النازحين داخل الإقليم إلى أكثر من 28 ألف شخص، بنسبة زيادة وصلت إلى 18 في المئة خلال 10 أيام فحسب، مقارنة بالمسجلين خلال الـ25 من مارس الماضي.
بحسب المصفوفة، تركزت موجات النزوح من محليات “باو” بأكثر من 13 ألف نازح، والكرمك بأكثر من 10 آلاف نازح، ومحلية قيسان بأكثر من 4500 نازح، استقروا في ست محليات داخل الإقليم، تصدرتها العاصمة الدمازين بنحو 12895 نازحاً، وتلتها باو والروصيرص وقيسان، إلى جانب مجموعات صغيرة في محليتي التضامن وود الماحي، بينما عبر الحدود هرباً من المعارك المتاخمة للحدود في الكرمك وقيسان نحو 4 آلاف لاجئ نحو الأراضي الإثيوبية.
تحذيرات التفاقم
وفي تقرير حول الوضع الإنساني في النيل الأزرق، كشفت لجنة العمل الإنساني بالتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) عن أن العمليات العسكرية في إقليم النيل الأزرق تسببت في نزوح أكثر من 79 ألف شخص خلال الأيام الماضية، مع انتقال مجموعات كبيرة إلى مناطق تفتقر إلى مقومات الأمان والخدمات الأساس.
وحذرت اللجنة من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات والتصعيد العسكري المتزايد بالإقليم وتزايد انعدام الأمن، مما أدى بصورة كبيرة إلى تقييد العمليات الإنسانية، وفرض قيوداً على حركة العاملين في المجال الإنساني والمنظمات العاملة داخل الإقليم، مما أدى إلى تعليق بعض الأنشطة الإغاثية وترك آلاف المدنيين دون خدمات أساس.
ولفت التقرير، إلى أن تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) تفيد بأن الأوضاع في مناطق مثل الكرمك وقيسان كارثية، وأن السكان في حاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية العاجلة، في ظل نزوح واسع النطاق نتيجة استمرار الاشتباكات وانعدام الأمن.
وعبرت اللجنة عن قلقها البالغ إزاء التطورات الميدانية الأخيرة والتصعيد العسكري في الإقليم وما ترتب عليه من تدهور خطر ومتسارع في الأوضاع الإنسانية، وبخاصة عقب سيطرة قوات “الدعم السريع” على عدد من المناطق الحدودية خلال الأسابيع الماضية.
تشتت ومعاناة
وفق التقرير، وصل آلاف الفارين من محافظة الكرمك إلى مناطق ود الماحي ودندرو، معظمهم من النساء والأطفال، وتشتت آخرون بمناطق متفرقة داخل الإقليم، بينما عبر ما يقارب 7 آلاف شخص الحدود نحو إثيوبيا، وهم يعانون نقصاً حاداً في الغذاء ومياه الشرب، خلال وقت تكتظ فيه مراكز الإيواء وتتدهور الخدمات الصحية وترتفع أخطار انتشار الوبئة والأمراض.
ودانت لجنة “صمود” الإنسانية الانتهاكات التي تطاول المدنيين، محملة أطراف النزاع مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع. وشددت على ضرورة الوقف الفوري للعمليات العسكرية في مناطق المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة وسريعة ومن دون عوائق، وحماية المدنيين والبنية التحتية وفقاً للقانون الدولي الإنساني، وفتح ممرات إنسانية عاجلة لإجلاء المدنيين وتسهيل الإغاثة.
ودعت اللجنة الأمم المتحدة ووكالاتها والمنظمات الدولية والإقليمية والجهات الإنسانية كافة إلى التدخل العاجل والمنسق لتوفير الحاجات الأساس، ومنع انزلاق الأوضاع نحو كارثة إنسانية أوسع في الإقليم، مؤكدة أن استمرار الصراع هو السبب الرئيس لهذه المعاناة، وأن حماية المدنيين ووقف الحرب يظلان المدخل الأساس لأي استجابة إنسانية حقيقية.
معاناة المواطنين
عمليات وتعزيزات
في الأثناء تتواصل العمليات العسكرية الميدانية وسط توقعات المراقبين باستمرار تصاعد الصراع واتساع رقعته داخل الإقليم خلال الأيام المقبلة، إذ يواصل الجيش خلال الدفع بتعزيزات عسكرية نحو جبهات القتال في النيل الأزرق.
وأعلنت قوات درع السودان عن إرسال متحرك عسكري هو من الأكبر من قواته، يضم مئات من العربات القتالية كاملة التسليح الثقيل والمتوسط، إلى جانب وحدات متكاملة للإسناد اللوجيستي.
ويواصل سلاح الطيران الحربي للجيش ضربات جوية متواصلة مستهدفاً كبح أي تحركات عسكرية في مناطق شرق مدينة الكرمك، على الشريط الحدودي مع إثيوبيا.
وكشفت مصادر عن أن غارات جوية نهاية هذا الأسبوع دمرت عدداً من قوافل الإمداد والوقود العربات القتالية والمدرعات التابعة للعدو، إذ يعمل الجيش على تحويل تلك المناطق إلى بؤرة استنزاف ساخنة وواسعة لقوات “الدعم السريع” والحركة الشعبية.
اتهامات وشواهد
في غضون ذلك عضد تقرير حديث لمختبر الأبحاث الإنسانية بكلية الصحة العامة في جامعة ييل الأميركية، الاتهامات التي ظلت توجهها الحكومة السودانية لدولة إثيوبيا باستضافة معسكرات لقوات “الدعم السريع” قرب الحدود، بغرض شن هجمات على إقليم النيل الأزرق المجاور.
وكشف التقرير عن أدلة تشير إلى تورط إثيوبيا بصورة فعلية في تقديم الدعم العسكري لقوات “الدعم السريع”، عبر قاعدة للجيش الإثيوبي في مدينة أصوصا بإقليم بني شنقول قمز.
وأشار المختبر، إلى أن رصداً عبر الأقمار الاصطناعية خلال الفترة من نهاية ديسمبر 2025 إلى الـ29 من مارس الماضي، أظهر نشاط جوياً وتحصينات دفاعية داخل قاعدة أصوصا شملت عمليات توسيع وإنشاء مواقع قتالية وحظيرة طائرات ومنصة خرسانية، مما يشير إلى استخدام المنشأة في عمليات عسكرية متقدمة.
وفق المختبر، جرى أيضاً رصد وصول متكرر لناقلات سيارات تجارية لا تتبع الجيش الإثيوبي إلى القاعدة، وتفريغ مركبات تقنية يجري لاحقاً تجهيز بعضها بحوامل يرجح أنها لرشاشات ثقيلة ومعدات تتطابق مواصفاتها مع التي ظهرت ضمن مقاطع مصورة سابقة، يعتقد أنها كانت في طريقها إلى قوات “الدعم السريع” عبر إثيوبيا.
وسجل التقرير نشاطاً لوجيستياً مكثفاً داخل القاعدة، بوصول حاويات شحن وخزانات وقود تدعم عمليات إمداد واسعة النطاق وحركة دائبة لمركبات تجارية ومدرعة، تحمل شارات عسكرية ليست للجيش الإثيوبي.