شهد السودان منذ الخامس عشر من أبريل سنة 2023م ما وصفته الأمم المتحدة بأنه أكبر مأساة إنسانية في العالم، بما فيها انهيار النظام الصحي. يتناول هذا التحقيق إحدى أوجه هذا الانهيار وهو قضية الأدوية المهربة والمغشوشة، وأثرها على حياة المرضى في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة، بعد نزوح ولجوء أكثر من 12 مليون سوداني بسبب الحرب.
لا خيار سوى الدواء منتهي الصلاحية
اضطر معتز، وهو في الخمسينيات من العمر، ويعيش في مدينة غبيش بولاية غرب كردفان، لاستخدام أدويةٍ منتهيةِ الصلاحية بعد نفاد الدواء الذي كان يداوم على استخدامه منذ سنوات طويلة، بسبب مرض مزمن في مفاصل العظام، مما تسبب له بآثار صحية صعبة.
يقول معتز: “كنت أحتفظ بجزء كبير من الأدوية التي أحتاجها، لكنها نفذت بعد استمرار الحرب، كما من الصيدليات أيضًا، وبعد بحث طويل وجدت بعضَها يُباع في صيدلية رغم أن تاريخ صلاحيتها قد انتهى، ولأني مضطرٌّ، تناولتها، وهو ما تسبب في تدهور حالتي الصحية، والعودة إلى مراحل المرض الأولى”.
إضافة للأدوية منتهية الصلاحية يستخدم معتز أيضاً أدوية غير مُسجلّة حتى الآن، لأنّ تجارة الدواء بعد الحرب تتم بواسطة الفِرِّيشةُ في السوق، وأصحاب الدكاكين، أما النظام الصيدلاني فقد انتهى” بحسب قوله.
وعن آثار استخدام الأدوية منتهية الصلاحية قالت سارة، وهي طبيبة صيدلية فضلت حجب اسمها الحقيقي: إنّها تفقد فعالياتها بالكامل، وهذا يؤدي إلى تفاقم حالة المريض،
وأضافت: ” كما يمكن حدوث تغيير في التركيب الكيميائي للدواء، وهوما ينتج عنه مركبات ضارة أو سامة، فيتعرض المرض لأعراض من الدواء نفسه، هناك أمراض ومضاعفات تنتج عن الدواء المنتهي الصلاحية، مثلا أمراض الكوليرا أحيانا تؤدي المحاليل الوريدية المنتهية الصلاحية إلى وفاة المريض”.
الدواء كسلاح في الحرب
وازدهر تهريب الدواء في مناطق دارفور وكردفان بتوقف الإمداد الرسمي من مناطق سيطرة الحكومة السودانية التي يقودها الجيش السوداني، حيث صدر قرار من حكومة الولاية الشمالية في الخامس والعشرين من شهر نوفمبر 2025، وقرار آخر من ولاية الخرطوم في العشرين من ديسمبر بحظر نقل السلع والبضائع إلى مناطق سيطرة الدعم السريع.
علماً أنّ الولايتين المذكورتين هما المصدران الرئيسيان لإمداد الولايات الغربية بالسلع والبضائع، خاصة الدواء، في ظل وجود جميع مصانع وشركات الأدوية بالعاصمة السودانية الخرطوم، كما أنّ الولاية الشمالية هي الرابط بين دول شمال الوادي وبقية مناطق السودان المختلفة.
ويؤكد الطبيب أبوبكر التجاني (اسم مستعار) الذي يقيم في نيالا، حاضرة ولاية جنوب دارفور، بإنّ (90%) من الدواء المتداول في مناطق دارفور وكردفان التي تقع تحت سيطرة الدعم السريع هي من الدواء المهرب، وذلك بعد توقف الإمداد الدوائي من مناطق سيطرة الجيش السوداني، أو حكومة بورتسودان.
ويضيف التجاني “إنّ الفراغ الذي تركه غياب الإمداد الدوائي الرسمي كان لا بد من تغطيته، والمتوفر كان هو الدواء المهرب عبر الحدود، خاصة من جنوب السودان وتشاد”.
أحد تجار الأدوية، علي مختار (اسم مستعار) بمنطقة غبيش، غربي كردفان، مهنته الأساسية أنه تاجر بصل، أخبرنا، بأنّ أغلب الناس تحولوا إلى تجارة الأدوية “نسبة لتوفر الدواء القادم من دولة الجنوب، وغياب الرقابة، وانعدام الأدوية الرسمية، إضافة الربح السريع” بحسب قوله.
وقد وجدت مجلة “أتر” أن سعر الدواء الرسمي أغلى من الدواء المهرب، وتترواح نسبة فرق الاسعار ما بين (35-85%) على سبيل المثال: حبوب علاج البروستاتا سعرها للدواء الرسمي ستة آلاف ومئتان وخمسون جنيها، أما سعر المهرب منه فتبلغ تسعمائة جنيها فقط.
حزب الأمة القومي يصف حظر السلع نحو كردفان بسلاح حرب..!
من ناحيته انتقد حزب الأمة القومي في بيان صحفي عبر صفحته الرسمية في الثاني والعشرين من شهر ديسمبر الماضي قرارات منع وصول السلع والبضائع إلى مناطق كردفان ودارفور، من قبل حكومات ولاية الخرطوم والشمالية وشمال كردفان، ووصفها بأنها قرارات تستخدم الغذاء والخدمات كسلاح في الحرب، وهو ما يؤثر على حياة المواطنين ومعاشهم، وقد تسبب في ارتفاع كبير للأسعار مما أجبر الكثيرين منهم إلى هجرة قسرية من ديارهم، معتبرا أنّ الأمر يعتبر جريمة حرب بحسب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وقد تواصلنا مع الدائرة الطبية للإدارة المدنية ممثلة في الدكتور محمد الغالي والذي تم تحويلنا إليه من وزير الصحة بحكومة تحالف تأسيس الدكتور علاء الدين نقد للتعليق على هذه المعلومات ولم نتلق الرد.
