انشأ الاتحاد الدولي لكرة القدم محكمة التحكيم الرياضي لتكون الجهة القانونية التي تفصل في القضايا الرياضية بصورة عامة والكروية بشكل خاص، حيث تم الإعلان عن قيام تلك المحكمة في فبراير من العام 2023م.
ويقع مقر المحكمة الرياضية في مدينة “لوزان” السويسرية، ويتم اللجوء إليها من جانب الأفراد “لاعبين أو مدربين أو حكام” وغيرهم من المؤسسات العاملة واللصيقة بكرة القدم، اتحادات أو أندية وغيرها بحثاً عن حل لقضايهم ومشاكلهم بمعزل عن المحاكم المدنية.
ويكون اللجوء إلى محكمة كاس متاحاً للأفراد والمؤسسات بعد ما يتم الفصل في قضاياهم بشكل نهائي من جانب المؤسسات الرسمية المعتمدة في تلك الدول أو الاتحادات القارية، بجانب أي جهة رسمية اعتبارية تقود كرة القدم في مختلف بلدان العالم.. حيث تلتزم كاس بالإجراءات المجازة وفقا للقانون السويسري لمناهضة أحكام الجهات الرسمية بالاتحادات القارية أو الوطنية الأعضاء المنضوية تحت لواء الفيفا.. على أن تتلقى المحكمة ـ أي كاس ـ الشكاوى بشكل رسمي خلال ثلاثة أسابيع من صدور أي قرارات نهائية..!!.
مدخل مباشر :
الحقيقة المباشرة التي يمكننا أن نفهمها من إعلان الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” لتكوين محكمة “كاس” هي أن تلك الخطوة تمت لأجل تسهيل الأمور على الأندية والأفراد، سواء لاعبين أو أندية أو مدربين وغيرهم من الاتحادات أو المجموعات والتنظيمات لأجل الحصول على حقوقهم التي ضاعت بشكل عملي من جانب جهات رسمية تنتمي أيضاً إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”..!!.
وهنا، فإن الفكرة تظل واضحة، كما أن مراميها تصب وتسير في صالح كل من يتعرض للظلم.. وبدلاً من اللجوء إلى المحاكم المدنية، فإن الاحتكام إلى “كاس” يفترض أن يكون هو “السكة المختصرة” لكل (مظلوم) تعرض لـ(الإجحاف) من الجهات الكروية الموجودة في بلاده أو قارته.. أو هكذا يفترض أن نفهم من تكوين المحكمة..!!.
لكن وبالعودة إلى الواقع والحقيقة التي تتعامل بها محكمة التحكيم الرياضية “كاس” مع القضايا التي تصلها نجد أمراً مختلفاً جداً.. فالبداية تكون بالخطوات المعقدة، بجانب الرسوم الباهظة، ومروراً بلجان الدفاع القانونية التي يرتفع سقفها المالي.. بخلاف أن الإجراءات تظل تمشي بـ(سلحفائية) قاتلة، تصل بالشخص الذي يلجأ إليها إلى مرحلة الملل..!!.
نقول ذلك بمعزل عن تفاصيل الإجراءات العقيمة التي تسلكها جميع القضايا، أو كما لخصها أحد الإداريين بأحد الأندية السودانية، وقال عنها: (كاس دي إلا يكون معاك “دفار مليان دولارات” لتسديد الرسوم، وإكمال الإجراءات ، وبعد ده ممكن تخسر القضية، وتجد نفسك قد اضعت زمنك ووقتك وجهدك وأموالك)..!!.
ولعل التجارب السودانية، سواء للأندية والأفراد أو الجهات والتنظيمات، التي سارت في إتجاه اللجوء إلى محكمة كاس، قد إنتهى بهم الأمر إلى لا شئ.. وهنا أتذكر ـ ومعي عشاق الكرة السودانية ـ حصاد الأفراد والجهات التي لجأت إلى (المدعوة محكمة كاس) في أكثر من قضية تقدمت بها العديد، سواء ضد الاتحاد السوداني أو بعض الجهات الاعتبارية الأخرى كان عبارة عن هشيم ليس إلا..!!.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد تابعنا لجوء مجموعة النهضة إلى محكمة كاس، والشكاوى العديدة التي رفعتها برفقة العديد من الاتحادات المحلية والأندية التي وقع عليها الظلم من جانب اتحاد معتصم وجماعته.. فما هي يا ترى النتيجة..؟! الإجابة للأسف لا شئ بل ضياع للوقت والمال والزمن..!!.
حتى على النطاق العربي، فقد لجأ نادي بيراميدز إلى محكمة كاس قبل شهور، طاعناً في أحقية النادي الأهلي بلقب بطولة الدوري الممتاز الموسم الماضي.. فماذا حدث بعد شهور من الإنتظار..؟!! محكمة كاس أيدت فوز الأهلي بلقب الدروي.. وبالمقابل خسر بيراميدز كل شئ يتعلق بالأموال والوقت والقضية..!!.
حتى ولو لم يخسر بيراميدز مثلاً في تلك القصة المال فقط، فإن الأهلي لعب باسم مصر في بطولة أبطال أفريقيا، وشارك في السوبر الأفريقي، واحتفل لاعبوه باللقب داخل الملعب.. أي أن بيراميدز حتى ولو كان قد كسب القضية، فان فوزه بها لا ولن يتخطى الدائرة المعنوية فقط..!!.
الآن تقدم الهلال السوداني بشكوى لمحكمة “كاس” في قضيته التي اثارها مؤخراً، وتم رفضها من الاتحاد الأفريقي.. ومر الوقت، ولعب الفريق الذي هو طرف أصيل في الشكوى مباراته بالدور نصف النهائي أمام الجيش الملكي المغربي.. وربما يودع السباق بعد أيام.. فماذا سيستفيد الهلال حال قبول كاس لشكواه..؟!!.
الهلال دفع وسيدفع المزيد من الرسوم، والتي تضعها المحكمة الموقرة كشروط ثابتة لقبول أي شكوى وتفاصيلها، ذلك بالطبع بجانب الثوابت القانونية والأموال بالعملة الصعبة، بخلاف رسوم واتعاب المحاميين، وغيره من “المصاريف الجانبية” التي يعلمها كل من سار في هذا الإتجاه..!!.
مع الإشارة هنا إلى أن الاتحاد السنغالي سار في نفس طريق الهلال، ولجأ إلى المحكمة طاعناً في قرار الاتحاد الأفريقي، المتعلق بسحب اللقب لقب بطولة الأمم الأفريقية منه، وتحويله إلى المغرب.. وسينتظر الاتحاد السنغالي أسابيع وشهور حتى يصدر القرار.. مع الإشارة هنا إلى أن “أسود التيرنغا” لا يزال يحتفظ بالكأس ، ولا خسارة منتظرة له من أي قرار لـ”كاس”.. بعد ما فاز باللقب داخل الملعب واحتفل لاعبوه بالفوز مع الجماهير عقب الوصول إلى داكار قبل شهور..!!.
تخريمة أولى : لجأ آدم سوداكال إلى محكمة التحكيم الرياضية للدفاع عن رئاسته لنادي المريخ وعملياً صدر قرار بعد سنوات طويلة.. لكنه لكم ينفذ وظل حبيساً للأدراج في إشارة إلى أنها أي المحكمة ـ أقرت أن التنفيذ يظل أمراً داخلياً لا علاقة لها البتة به..!!.
تخريمة ثانية : سكبت مجموعة النهضة والعديد من الاتحادات المحلية والأندية السودانية قضاها ضد الاتحاد السوداني لكن يظل التنفيذ العملي هو الإشكالية الحقيقية لكل قرارات كاس، الهلال أوصل قضيته إلى ذات المكان.. وأعتقد إننا لا نملك غير أن نردد: “بكرة نقعد جنب الحيطة.. ونسمع الزيطة”..!!.
تخريمة ثالثة : قلناه بالأمس، ونعيدها اليوم، ونشير إلى أن الدخلاء، على الإدارة الرياضية بالأندية والاتحادات، والإعلام، هم الذين ابتدعوا كل التجاوزات الأخيرة، واستخدموا الألفاظ الدخيلة لممارسة الشماتة والمكاواة، وادمنوا التعاقدات الفاشلة.. وهنا فإننا نؤكد أن كرة القدم والصحافة الرياضية بريئة من تلك الصفات، التي تدل على مرض متأصل داخل نفوس البعض..!!.
همسة : تقول العبارة السودانية الشهيرة: (كاس.. اللي ما وراها ناس).. ونحن نقول: (“كاس” ـ المقصودة هنا ـ “وراها ناس”)..!!