الحرب على إيران: دور الميليشيات العراقية في التصعيد الإقليمي: قراءة تحليلية 

عبد الجليل سليمان 

تشير المعطيات الميدانية والتحليلات الصادرة عن مراكز أبحاث متخصصة إلى أن الميليشيات العراقية المدعومة من إيران أصبحت أحد أبرز أدوات التصعيد غير المباشر في الحرب الجارية، خصوصًا عبر استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ ضد دول الخليج والقواعد العسكرية التابعة للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة. وتُظهر هذه الهجمات نمطًا متكررًا من العمليات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة والمطارات والمنشآت الحيوية، بما يعكس قدرة تشغيلية متماسكة رغم محاولات الردع والاحتواء.

في هذا السياق، لا يمكن فصل سلوك هذه الميليشيات عن دور الحرس الثوري الإيراني، الذي يُعد الجهة المركزية في تزويدها بالسلاح والتدريب والدعم العملياتي.

وتشير تقديرات وتحليلات صادرة عن مراكز أبحاث إلى أن هذا الارتباط يتجاوز الإمداد العسكري المباشر، ليشمل توجيهًا استراتيجيًا عامًا يحدد طبيعة الأهداف ومستويات التصعيد، بما ينسجم مع حسابات إيران في إدارة الضغط الإقليمي دون الانخراط في مواجهة مباشرة.

وتُظهر التقارير الميدانية أن الهجمات المنسوبة إلى هذه الجماعات لم تكن عشوائية، بل جاءت ضمن موجات متكررة طالت عدة دول خليجية، من بينها المملكة العربية السعودية والبحرين والكويت والإمارات، حيث استُهدفت منشآت نفطية ومواقع عسكرية وقواعد تضم قوات أميركية.

وتشير بيانات تحليلية إلى أن بعض هذه العمليات استخدمت أنماطًا من الطائرات المسيّرة تتشابه مع تلك التي يعتمدها الحرس الثوري الإيراني، ما يعزز فرضية وحدة البنية التشغيلية وتداخل منظومات التسليح.

في الداخل العراقي، تتشابك الأبعاد السياسية والأمنية في بيئة معقدة تُنتج توازنات دقيقة بين الدولة والفصائل المسلحة. ويبرز «الإطار التنسيقي» كأحد أهم التكتلات السياسية الشيعية المؤثرة في السلطة، إذ يضم قوى وأحزابًا وشخصيات نافذة ترتبط بدرجات متفاوتة بإيران، ويلعب دورًا محوريًا في تشكيل الحكومات وتوجيه السياسات العامة.

وعلى الرغم من عدم امتلاكه جناحًا عسكريًا مباشرًا، فإنه يرتبط بعلاقات وثيقة مع فصائل مسلحة ضمن منظومة الحشد الشعبي، ما يجعله طرفًا وسيطًا بين الدولة وهذه الجماعات.

وقد حاول الإطار في مراحل متعددة احتواء التصعيد عبر فتح قنوات تفاوض داخلية مع بعض الفصائل المسلحة، بهدف تقليل الهجمات ضد المصالح الأميركية والدول الإقليمية وتجنب الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

غير أن هذه الجهود تصطدم بانقسام واضح داخل المشهد المسلح نفسه، إذ تُظهر بعض الفصائل مثل «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» مستوى أعلى من الالتزام بالخط الإيراني مقارنة بغيرها، ما يحد من قدرة المؤسسات السياسية العراقية على فرض تهدئة شاملة وملزمة.

وبناءً على ذلك، يتضح أن الميليشيات العراقية لم تعد مجرد أطراف محلية مسلحة، بل تحولت إلى عنصر أساسي في معادلة الصراع الإقليمي، يعمل ضمن شبكة نفوذ تتداخل فيها الاعتبارات الإيرانية مع تعقيدات الداخل العراقي.

وهذا النمط من «الحرب بالوكالة» يجعل مسار التهدئة أكثر هشاشة، ويُبقي احتمالات التصعيد مفتوحة في ظل غياب آلية إقليمية فعّالة لضبط هذا السلوك.

Exit mobile version