ماجدولين تحدثكم عن أجساد وجيوب أنهكها الكيميائي في السودان
الخرطوم - مشاوير
رحلة النزوح التي خاضتها ماجدولين محمد بابكر لم تكن مجرد انتقال قسري من مدينة إلى أخرى، بل تحولت إلى معركة يومية تخوضها مع المرض، بحثا عن علاج يخفف معاناتها الممتدة منذ سنوات.
تعاني ماجدولين منذ نحو 19 عاما من مرض السرطان، الذي بدأ في الثدي قبل أن ينتشر إلى الرئة ثم يصل إلى العمود الفقري، ما فاقم آلامها وضاعف حاجتها إلى علاج منتظم لا يحتمل التأجيل.
معاناة كبيرة
وتقول ماجدولين في حديثها لـ”الجزيرة نت” إنها فقدت زوجها ولا تجد من يعيلها، ما اضطرها إلى العمل رغم تدهور حالتها الصحية، في محاولة لتأمين تكاليف العلاج المرتفعة.
وخلال فترة نزوحها إلى مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، لم يكن التحدي مقتصرا على المرض، بل امتد إلى صعوبة الحصول على الجرعات العلاجية التي تجاوزت قدرتها المالية، إذ يبلغ سعر الجرعة الواحدة نحو 80 ألف جنيه سوداني (الدولار الواحد يساوي 600 جنيه سوداني).
دواء غير متوفر
وتشير إلى أن الدواء لم يكن متوفراً في مكان إقامتها، وكان يصلها بشق الأنفس من ولاية القضارف، في ظل محاولات متكررة للبحث عن دعم لتغطية التكاليف دون جدوى.
قبل نحو 8 أشهر، عادت ماجدولين إلى العاصمة الخرطوم أملا في فرصة أفضل للعلاج داخل مستشفى الذرة للأورام، حيث بدا الوضع أكثر استقرارا نسبيا من حيث توفر الأدوية وانتظام الجلسات.
وترافقها جارتها في كل زيارة للمستشفى، وهو ما تقول إنه يمنحها سندا إنسانيا يخفف من وطأة المرض بعد فقدان زوجها.
لكنّ المعاناة لم تتوقف، إذ شهدت الأشهر الأخيرة ارتفاعا في أسعار الجرعات لتجد نفسها عالقة بين ألم المرض وضغط التكاليف المتزايدة.
ماجدولين
قصص معاناة أخرى
وفي موازاة هذه التجربة، تبرز قصص أخرى لمرضى سلكوا مسارات مختلفة في مواجهة المرض. فاطمة، وهي سيدة تبلغ من العمر 60 عاما، اختارت في بداية رحلتها العلاجية السفر إلى مصر بعد إصابتها بسرطان الثدي قبل عام، حيث تلقت أولى جرعات العلاج الكيميائي. غير أن ارتفاع تكاليف العلاج خارج البلاد دفعها للعودة إلى السودان، لاستكمال علاجها داخل مستشفى الذرة.
وتقول فاطمة لـ “الجزيرة نت” إن التجربة، رغم قسوتها، أظهرت لها أن العلاج داخل السودان أكثر قابلية للاستمرار من حيث التكلفة، مقارنة بما واجهته في الخارج، ما دفعها إلى اتخاذ قرار متابعة علاجها محليا.
وفي محاولة لقراءة واقع الخدمات الصحية، أوضح المدير العام لمستشفى الذرة للأورام أحمد عمر عبد الله أن المستشفى كان يستقبل قبل اندلاع الحرب نحو ألفي مريض يوميا، مشيرا إلى أن معظم الخدمات كانت تُقدَّم مجانا.
وأضاف عبد الله، في حديثه لـ”الجزيرة نت”، أن الأضرار التي لحقت بالمستشفى خلال الحرب أثرت بشكل كبير على قدرته التشغيلية، ما اضطر الإدارة إلى فرض رسوم رمزية على بعض الخدمات لضمان استمرارية تقديم الرعاية، خاصة في ظل عدم توفر بدائل مماثلة في مؤسسات أخرى.
ارتفاع التكلفة
وأكد أن تحسين جودة الخدمات يتطلب دعما ماليا عاجلا، في ظل ارتفاع تكلفة الفحوصات في القطاع الخاص وتزايد الإقبال على المستشفى باعتباره من أبرز المراكز المتخصصة في علاج السرطان في البلاد، مع السعي لاستعادة تقديم الخدمات مجانا أو بأسعار رمزية.
وبحسب تقديرات رسمية لوزارة الصحة السودانية، يبلغ عدد الإصابات بالسرطان نحو 28 ألف حالة، في وقت تشير فيه بيانات دولية إلى وجود عشرات الآلاف من الحالات النشطة التي تحتاج إلى متابعة مستمرة.
ويأتي ذلك في سياق تدهور واسع يشهده القطاع الصحي خلال السنوات الثلاث الماضية نتيجة الحرب، حيث تعرضت مرافق طبية للتدمير أو خرجت عن الخدمة، ما زاد من صعوبة حصول المرضى على العلاج، في ظل تحديات التنقل بين الولايات وارتفاع التكاليف.
ولا تقتصر المعاناة على مرضى السرطان، إذ يواجه مرضى الفشل الكلوي تحديات مماثلة، خاصة في ولايات دارفور وأجزاء من كردفان، حيث توقفت خدمات الغسيل الكلوي في عدد كبير من المراكز بسبب القتال.
ودفع هذا الواقع مئات المرضى إلى التوجه نحو العاصمة الخرطوم في رحلات علاج شاقة. وعلى أحد أسرّة الغسيل في مستشفى أم درمان التعليمي، يرقد عبد الرحمن أحمد الذي قطع مسافات طويلة قادما من غرب كردفان بعد تدهور حالته نتيجة انقطاع جلساته العلاجية.
روشته العلاج
معاناة لا تقتصر على الألم الجسدي
ويقول عبد الرحمن لـ”الجزيرة نت” إن معاناته لا تقتصر على الألم الجسدي، بل تمتد إلى صعوبة الحصول على جلسات منتظمة، مشيرا إلى أن كل انقطاع يفاقم حالته الصحية، في ظل توقف معظم المراكز واضطراره إلى السفر وتحمل مشقة الطريق.
وبين قصص متشابهة في الألم ومختلفة في التفاصيل، يجد المرضى أنفسهم أمام معادلة صعبة بين القدرة على تحمل التكاليف وتوفر الخدمات الصحية.
ورغم مؤشرات رسمية تتحدث عن تحسن نسبي في الخدمات داخل العاصمة الخرطوم، لا تزال مناطق القتال، خاصة في إقليم دارفور وأجزاء من كردفان، تشهد تراجعا واضحا في الخدمات الطبية، ما يجعل الوصول إلى العلاج رهنا بظروف الحرب التي دخلت عامها الرابع.