ومنذ تلك اللحظة صار الاختيار خبز الخلية، وصارت الخلية تحفظه كما تحفظ النار سرّ اشتعالها.
انظر كيف يمكن لميلٍ لا يكاد يُرى أن يصبح قانوناً.
فالشيء الصغير قد لا يبقى صغيراً.
وقد تبدأ الرحلة من انحياز ضئيل، من بذرة لا تكاد تُرى.
ثم تبدأ البذرة في إنجاب نفسها، فيغدو الناتج صانعاً لناتج آخر.
وتكبر الكفة رويداً رويداً، لا لأن أحداً دفعها بعنف، بل لأن ما اختارته تعلّم كيف يكرر اختياره.
هكذا، شيئاً فشيئاً، تسقط المرايا من الحساب: وجه يتقدم ووجه يتراجع، حتى لا يبقى من الفوضى إلا ذكرى بعيدة.
وهنا، دون أن نشعر، نغادر المختبر وندخل إلى الإنسان، إلى القلب، إلى تلك الغرفة الصغيرة التي لا يراها أحد، ويُصنع فيها كل يوم وجه الإنسان الذي سنكونه.
فكم من مصير بدأ بميل لا يكاد يُرى: كلمة، أو نظرة، أو نزوة، أو كذبة صغيرة، أو صدق لم يسمعه أحد، أو يد امتدت إلى محتاج، أو يد كان يمكن أن تمتد إلى الأذى ثم تراجعت.
على أية حال، كل شيء يبدأ صغيراً، لكن ليس كل صغير يبقى بريئاً في المستقبل.
فالشيء الذي نكرره يتعلم كيف يكبر.
والصدر الذي يملأه الغضب يصنع من الغضب شجرة.
والقلب الذي يتشرب الرحمة قد يجد بعد حين أن الرحمة صارت له طبيعة.
هنا يمكن أن نفهم معنى التزكية بطريقة أخرى.
إذ ليست التزكية أن تخلق النور؛ فالنور موجود.
المطلوب فقط أن تعرف أي البذور ينبغي أن تسقي.
فقد قال سبحانه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
كأن النفس أيضاً تقف أمام مرآتها: وجه يأخذها إلى الأسفل، ووجه يفتح نافذتها إلى أعلى.
وأنت في كل لحظة تضع قطرة في أحداهما.
لهذا يبدو لي أن كسر المرآة ليس تدميراً للصورة، إنما هو كسر لحيادها.
عندما تقول للحياة: لن أترك وجهي معلقاً بين وجهين.
سأختار، ثم أكرر اختياري حتى يصير الاختيار عندي سجيّة، وتصير السجيّة طريقاً، ويصير الطريق قدراً أصنعه بيدي.
ولعل هنا سرّ ما، يبدو بعيداً عن الكيمياء: أن الحق لا يحتاج دائماً إلى كثرة هائلة كي يغلب.