في أبريل 2019، كان أمام عبد الفتاح البرهان طريق قصير إلى مكانة طويلة في التاريخ: أن يحمي انتقال السلطة، ثم يسلّمها. كان السودانيون قد أنجزوا الجزء الأصعب، وأسقطوا نظاماً حكمهم ثلاثين عاماً. وما احتاجوه من قيادة الجيش كان ضماناً بأن القوة لن تُستخدم لإغلاق الباب الذي فتحوه.
لكن الجنرال بقي، وتراجعت الفرص. ثم دخل السودان حرباً اقتلعت الملايين من ديارهم. وبين بداية عهده وهذه الكارثة، يمتد سجل يستحق أن يُقرأ بعيداً عن بيانات القيادة وضجيج أنصارها.
المسؤولية السياسية تُقاس بما فعله صاحب القرار حين كان يستطيع أن يختار. والبرهان، منذ رئاسته المجلس العسكري الانتقالي، امتلك فرصاً متكررة لتغيير المسار.
فرصة الاستجابة للثورة: عند التفاوض مع قوى الحرية والتغيير، كان المطلوب تثبيت مبدأ انتقال السلطة، ووضع حدود واضحة لدور العسكريين. وأتاحت شراكة أغسطس 2019 أساساً لذلك، بشرط أن تقبل القيادة أن نجاح المرحلة يعني انتهاء مهمتها في الحكم. كانت تلك فرصة لبناء علاقة بين الجيش والشعب قوامها الثقة واحترام الإرادة المدنية.
فرصة حماية المعتصمين وتحقيق العدالة: وقعت جريمة فض الاعتصام في الثالث من يونيو 2019 أمام مقر القيادة العامة لقوات الشعب السوداني المسلحة؛ المكان الذي قصده المواطنون طلباً للحماية، تحت سلطة المجلس العسكري الانتقالي الذي ترأسه البرهان.
وكانت القوات المشاركة جزءاً من منظومة تلك السلطة. تحديد المسؤولية الجنائية الفردية مهمة القضاء، أما مسؤولية المجلس السياسية عن حماية المواطنين وضمان المحاسبة فلا تتجزأ.
وكان تحقيق العدالة فرصة لإثبات أن دماء السودانيين لا تُطوى ببيان.
فرصة الوفاء بتعهد حماية الانتقال: أتاحت الشراكة الدستورية العمل مع حكومة مدنية لبناء مؤسسات تقود إلى انتخابات. لكن انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 أطاح الحكومة ومؤسسات انتقالية، واعتُقل خلاله رئيس الوزراء ومسؤولون مدنيون. بذلك نقض البرهان، سياسياً وأخلاقياً، تعهده بحماية الانتقال، واستخدم القوة لإلغاء المسار الذي التزم به.
فرصة إنهاء نفوذ النظام السابق: كان سقوط البشير فرصة لفك الارتباط بين مؤسسات الدولة والتنظيم الذي حكمها ثلاثين عاماً. لكن تقارير عن بنية الصراع أشارت إلى تعزز نفوذ إسلاميين وموالين للبشير داخل المؤسسة العسكرية بعد انقلاب 2021.
وفي تقديري، ضاعت فرصة إصلاح كان ضرورياً لحماية الجيش والدولة معاً.
فرصة تصحيح الانقلاب: فتح الاتفاق الإطاري في ديسمبر 2022 باب العودة إلى حكم مدني. لم يكن اتفاقاً كاملاً، وواجه معارضة، لكن عيوبه كانت قابلة للتفاوض. وظلت الخلافات بشأن إصلاح المؤسسة العسكرية وترتيبات توحيد القوات تعطل الاتفاق النهائي، بينما كانت البلاد تقترب من الحرب.
فرصة منع الحرب: قبل الخامس عشر من أبريل 2023، كان منع الانفجار أهم واجبات القيادات التي امتلكت السلاح والقرار. ولا يُحسم سؤال الرصاصة الأولى بالشعارات، لكن القائد العام يُساءَل عن قراراته لمنع الكارثة، وعن ترتيب أولوياته حين تعارضت سلامة البلاد مع صراع السلطة. فالقيادة تتحمل مسؤولية الخيارات التي سبقت الحرب، إلى جانب مسؤوليتها عن إدارتها.
فرصة وقف القتال: شارك الجيش في مسارات تفاوض، لكنها لم تنتج سلاماً مستداماً. وربط البرهان التفاوض، في مواقف معلنة، بشروط تتعلق بإخلاء المنازل والمنشآت المدنية. حماية المواطنين مطلب مشروع، ومهمة القيادة أن تجد ترتيبات تحقق ذلك وتوقف القتل. وكل يوم إضافي من الحرب يحتاج إلى جواب عن جدواه وكلفته على الناس.
فرصة الخروج من العزلة: ظهر المأزق الدبلوماسي حين لم يحصل على التأشيرة الأميركية لحضور الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026. وربطت مصادر نقلت عنها تقارير صحفية الأزمة بمقترح لوقف إطلاق النار قاومته سلطات الجيش، بينما أعلن مستشاره اعتراضات على مضمونه. يجوز انتقاد الضغط الأميركي، وتبقى مساءلة القيادة السودانية عن خياراتها لإنهاء الحرب واجبة.
هذه المحطات تكشف مشكلة تتجاوز شخصية الجنرال. فالبرهان ورث مؤسسة أثقلتها السياسة، لكنه امتلك فرصة لتغيير علاقتها بالحكم. ثم اتخذ قرارات عمّقت الأزمة التي ورثها.
منذ انقلاب 1989، أرادت الحركة الإسلامية جيشاً يحمي حكمها، فأعادت تشكيل الجيش والأمن والشرطة على أساس الولاء لمشروعها، عبر الإقصاء والإحلال وبناء أجهزة تضمن بقاء النظام. وهكذا تمدد التمكين داخل الدولة، وجعل إصلاح مؤسساتها تهديداً لأصحاب النفوذ فيها.
وهنا يظهر السيناريو التركي معكوساً. كان الجيش التركي يعدّ نفسه حارساً للعلمانية ويتدخل لحمايتها، بينما سعى إسلاميو السودان إلى جعل الجيش حارساً لمشروعهم السياسي. تختلف العقيدة، وتتشابه الوصاية: أن يملك السلاح حق تحديد حدود الحكم المدني.
لهذا لم يكن سقوط البشير كافياً. ذهب الرئيس، وبقي نفوذ التنظيم داخل المؤسسات. وكانت مسؤولية البرهان أن يفك هذا الارتباط، ويعيدها لخدمة الشعب، بدلاً من إبقائها طريقاً لعودة النظام الذي أسقطه.
ومن هنا، يبدو البرهان صانعاً لأزمة الجيش في السياسة وكاشفاً لها في الوقت نفسه. فعندما تعتبر القيادة نفسها صاحبة القرار الأخير في تحديد من يحكم، تصبح إرادة الشعب مؤقتة، وتظل كل حكومة مدنية تحت اختبار رضا الجنرالات.
ولا تنتقص هذه المساءلة من تضحيات الجنود. حماية الجيش تقتضي مساءلة من يزجّ به في صراعات الحكم، ويحمّله تبعات قرارات سياسية. المؤسسة الوطنية تحتاج إلى حدود واضحة لمهمتها، وإلى قيادة تعرف أن مكانتها تُصان بخدمة الدولة واحترام القانون.
أما المواطن، فقد تجاوزت حاجته الوعود والخطابات. الذي فقد بيته يريد طريقاً للعودة. والذي فقد ابنه يريد عدالة. والذي حمل أسرته عبر الحدود يريد أن يعرف متى تنتهي الحرب، وما الذي تفعله القيادة لإنهائها.
والخطاب الذي يعد الناس بالنصر مطالب بأن يشرح لهم شكل الحياة بعده: من يحكم؟ وبأي شرعية؟ وما الضمانة ألا تعود البلاد إلى الدورة نفسها، من انقلاب إلى انتقال معطل، ثم إلى صراع جديد؟
عرف السودان الحروب والنزوح قبل البرهان.
لكن الكارثة في عهده امتدت إلى العاصمة وأقاليم واسعة، واقتلعت الملايين من ديارهم. فقد السودانيون الغالي والنفيس، وتوزعوا في بقاع الأرض، بعدما كان الأمل أن تفتح الثورة لهم مكاناً أرحب داخل وطنهم.
كان أمام الجنرال عبد الفتاح البرهان، القائد العام للجيش السوداني، أن يترك للشعب انتقالاً آمناً ومؤسسات قادرة على البقاء. أما حصيلة قيادته حتى الآن، فتُقرأ في البيوت المهدمة، والأسر المفجوعة، وطوابير النزوح.
بقي الجنرال في موقعه، ورحل الملايين عن بيوتهم. وتلك هي المفارقة التي ستلاحق عهده: قائد تعهّد بحماية انتقال السلطة، فانتهى الشعب في عهده يبحث عن الحماية خارج بلاده.