الرجل الأنف..!!

يس علي يس

رائحة “سيد اللبن” كانت من الروائح اليومية التي تبعث على الإدمان، هي خليط من رائحة اللبن، والحمار، والبائع تمتزج في مزيج عجيب، يفوح عند توقف صاحبه مع الأمسيات وهو يطرق الأبواب، ويتناول الأواني ما بين “لبانة وجك وحلة”، يسكب فيه العشق الأبيض، الذي كثيرا ما تتخله سبيبات شعر لا تدري مصدرها أهي من الأبقار أم الحمار أم صاحبهما، المهم في الأمر أنك تشتري لبنا جيدا، لم تكن حينها ثقافة “زيادتو موية” قد ولدت، حين كانت الضمائر بخير، واللبن ينتج “جمادة” يخرج منها قشطة وسمن..!!

كان للدكاكين القديمة رائحة تختلف عن رائحة البقالات، مزيج رائع من شتى أنواع البهارات، والشاي، وعتة الزيوت المتراكمة في الصندوق الخشبي القديم، الذي كون طبقة من الغبار والزيوت حتى ضاعت معالم الخشب، لم يكن هنالك زيت عباد الشمس كان “زيت الفهد” هو الزيت المعروف للقلي والطبيخ، والفهد هو الماركة التي رسخت في أذهان الناس وعرفوا به زيت الطبيخ، إلى جانب زيت السمسم الأصلي، بلونه الأخضر، ورغوته البائنة التي دائما ما يطفح فيها صرصار، ربما انتحر لقصة حب فاشلة أو “دناوة” قذفت به في بحر الزيت، وبجانبهم جبنة غارقة في “موية الجبنة” وهما عماد الفتة ونكهتها قبل أن تفقد الفتة نكهتها وهيبتها بعد أن صارت موية الجبنة تدلق في الشوارع..!!

في سوق اللحم، تكون لديك القدرة على فرز رائحة الضان من البقر، وحين تطأ قدماك أرض الجزارة، تكون مأخوذا بتلك الروائح، التي تتسلل عبرها رائحة الدم، ثم تفقد كل هذا حين تدخل سوق “الكمونية” ويتوقف الزمن والنشيد، وأنت ترى الأكوام، وجيوش من الذباب، فشلت معه أيادي الباعة وبخورهم وحركة الناس في طرد الجيوش من هذه الأكوام، الروائح تعانق السماء وتمنح المكان خصوصيته ونكهته الخاصة.

مازلت مصرا على أن للعطور ذاكرة، ولطالما تشبثت بعطر “فايورا” و “بخور” و “جامبت” و “إسكادا” و “ريد جينز”، ولعل عطر عابر من هذه كفيل بإعادتي إلى فصل مدرسي في سني الصبا، أو شوارع قديمة، أو مكان بعينه وموقف بعينه، ربما كانت العين ترى وتوثق، ولكن العطر يجعلك تغمض عينيك، وتجتر مواكب الذكريات..!!

شموا يرحمكم الله..!!

↑
Exit mobile version