(زهايمر) في الرياض : ليلتان وثلاث ذاكرات .. حنينٌ وخشبةٌ ونصٌّ مختلف

الرياض - مشاوير : مجدي علي

في ليلتي 22 و23 أكتوبر 2026، اعتلى نجوم من المسرح السوداني خشبة مسرح مدارس النبلاء الأهلية بحي الشفا في الرياض، لتقديم عرض (زهايمر)، النسخة المعدّلة من مسرحية (ملف سرّي).

وانقسمت الانطباعات بين من رأى فيه قطعةً غاليةً من الوطن استعادت بريقها، ومن اعتبره فرصةً فنيةً لم تُستثمر كما ينبغي. ويقتضي الإنصاف النقدي الفصل بين ثلاثة أسئلة: ما الذي مثّله العرض؟ وكيف نُفّذ؟ وعلى أي أساس قام نصّه؟

الذاكرة الأولى: الحنين

تتجاوز قيمة العرض، في نظر محبّيه، المسرحية نفسها؛ فقد جمع فنانين فرّقتهم الحرب والاغتراب، هم جمال عبد الرحمن، الذي تصدّر الفريق وتولّى الإنتاج، وسامية عبد الله، وإخلاص نور الدين، ومصطفى الخليفة، وأمير عبد الله، ومحمد عبد الله، وعلي بطة، ومحمد جلواك، بإخراج محمد نعيم سعد. وقطع معظمهم المسافات من خارج المملكة ليعودوا إلى خشبة واحدة. ويُتداول أنّه أول عرض مسرحي سوداني على المسارح السعودية، وهي دعوى تستدعي التحقّق. ويندرج العمل ضمن مبادرة (جسور الإبداع السوداني)، الطامحة إلى شراكة في المسرح والدراما والإذاعة بين مبدعين سودانيين وسعوديين، ليغدو العرض اختباراً لمشروع أوسع.

نفاد تذاكر الليلة الأولى وشبه نفاد الثانية يدلّ على ما يتجاوز الأرقام؛ فالمغترب الذي ملأ القاعة كان يستعيد وطناً وطفولةً، بقدر ما كان يشاهد مسرحية، وفي مفارقة عمل اسمه (زهايمر) يوقظ الذاكرة الجمعية ما يفسّر قوة التفاعل. ومن هنا جاء قرار مواصلة العروض في الرياض يومي الخميس والجمعة 29 و30 أكتوبر، مع التفكير في جولة خليجية ما زال إعلانها الرسمي بحاجة إلى تأكيد.

وعزّز حضور ضيوف سعوديين هذا البعد، بينهم الممثّل سعد المدهش في الليلة الأولى، والروائي أحمد السماري في الثانية، الذي أبدى إعجابه بالقاعة وأعرب عن رغبته في عمل يجمع الشعبين، وهي رغبة قد تنقل أثر العرض من حدود الجالية إلى المشهد الثقافي المضيف.

الذاكرة الثانية: الخشبة

هنا تباينت الانطباعات بحدّة. فقد شهدت الليلة الأولى اختلالات واضحة، شملت اضطراب الصوت والاعتماد على ميكروفون واحد، وإضاءةً في غير موضعها، وديكوراً ثابتاً طوال العرض، وفاصلاً تجاوز الساعة، ونقصاً في البروفات ظهر في فقرات منسيّة ومؤثرات متأخرة. وبدا أنّ حماسة اللقاء سبقت الإعداد الفني، وأنّ الجمهور سدّ ثغراته بتعاطفه؛ وهو أمر لا يصحّ أن يصبح قاعدةً.

وُصفت الليلة الثانية بأنّها أكثر تماسكاً وانضباطاً، وعُزيت هفوات الأولى إلى طبيعة البدايات. وينسجم ذلك مع طريقة الفريق في التعامل مع النقد؛ إذ دعا جمال عبد الرحمن أحد المنتقدين إلى حضور عرض لاحق بتذكرة مجانية ليحكم حكماً أكمل، وهو موقف يفضّل الإقناع على الجدال.

غير أنّ الشهادات ليست متساويةً في قيمتها؛ فبعضها انطباع عن ليلة بعينها، وبعضها من أطراف مرتبطة بالعرض، ولم يشهد بعض الضيوف الليلتين. فيبقى القول بتحسّن الأداء ترجيحاً معقولاً يحتاج إلى تقييم مستقل.

أمّا موضوع العمل، فيدور داخل دار لرعاية المسنّين المصابين بالزهايمر، حيث تتجاور الحكايات المتناثرة والشكاوى التي لا تجد من يصغي إليها. ومن خلال الكوميديا الساخرة تنكشف قضايا موجعة: عقوق الوالدين، والتخلّي عن كبار السن، والإهمال المؤسّسي، والفساد المستتر خلف واجهات الرعاية. وتصل باحثة اجتماعية إلى الدار مصادفةً، فتدوّن شهادات النزلاء وتتعهد بكشف القضية للرأي العام. وهكذا ينتقل النص من النسيان المرضي الفردي إلى النسيان المجتمعي والأخلاقي، طارحاً سؤال المسؤولية تجاه من أفنوا أعمارهم في خدمة أسرهم ومجتمعهم، وتغدو الكوميديا أداةً للمساءلة لا للإضحاك فحسب.

الذاكرة الثالثة: النص

لم يتوقّف الجدل عند التنفيذ الفني، بل امتدّ إلى الأساس الذي يستند إليه العرض. فبحسب الرواية التي يطرحها المنتج، أجرى المؤلّف عوض شكسبير تعديلات على (ملف سرّي)، التي عُرضت سابقاً في قاعة الصداقة بالخرطوم، من بينها تغيير اسمها إلى (زهايمر).

وفي المقابل، تُطرح وثائق تفيد بتفويض سابق من المؤلّف للمنتج بتقديم العمل خارج السودان، أعقبه خطاب لاحق بإلغائه. ومن هذا التعارض يتفرّع سؤال قانوني وفكري: هل يشمل التفويض تغيير اسم العمل؟ وإلى أي مدى يمسّ تعديل العنوان هوية المصنّف وحقوق صاحبه؟ ولا تكفي المعطيات لحسم المسألة، ولا يرفع الالتباس إلا إيضاح مباشر من المؤلّف. والمفارقة أنّ عرضاً يتناول النسيان والمسؤولية يجد نفسه أمام إشكال يتعلّق بمن يملك حق تسمية العمل وتقديمه.

وبعد، فإنّ الإنصاف يقتضي الإقرار بأنّ ما جرى في ليلتي الرياض جهد يستحق التقدير. فقد جمع فريق (زهايمر) فنانين شتّتتهم الحرب، وتحمّلوا عناء السفر، وقدّموا عملاً يلامس أوجاع المجتمع بالكوميديا، أمام جمهور جاء محمّلاً بشوق الوطن؛ وهي تجربة تُضاف إلى سجل المسرح السوداني في المهجر، وبداية تستحق البناء عليها.

غير أنّ الجمهور الذي ملأ القاعة وصبر على الهفوات لا يمنح الفريق صكّ غفران، بل يضع على عاتقه مسؤوليةً أكبر؛ فمن يحظى بهذا القدر من الترقّب يُقاس بما ينجزه فعلاً، لا بما كان قادراً على إنجازه. والمسرح السوداني مطالب بأن يظهر بمستوى من الإتقان، لا أن يركن إلى الارتجال، أو يتوقّع من الجمهور الاكتفاء بحسن النوايا.

وفي هذه المسؤولية فرصة لا عبء؛ فالطريق إلى جولة خليجية وشراكة سودانية سعودية وعرض يستقرّ وضعه الحقوقي يمرّ عبر عمل متقن يحترم جمهوره، وحين يتحقّق ذلك لن يكون اسم (زهايمر) مفارقةً دالّةً فحسب، بل شهادةً على أنّ ذاكرة المسرح السوداني لم تُمحَ.

↑
Exit mobile version