في ثنايا مقالٍ نشره أمس تحت عنوان “فانتازيا السقوط”، عقد الأستاذ حسين خوجلي مقارنة بين ثورتي أكتوبر وديسمبر؛ استشهد للأولى بأبيات محمد المكي إبراهيم: “من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصرْ / من غيرنا ليقررَ التاريخَ والقِيَمَ الحديدةَ والسِّيَرْ”، واختار للثانية مقطعاً من غناء الاعتصام: “فرشة ومعجون نديكْ / شاي الصباح نسقيكْ / زلابية نجازفا ليكْ / كنداكة نَعرِّسا ليكْ / ولو أبَتْ نحنكا ليكْ”؛ ثم خَتَم – ساخراً – بقول المتنبي: “على قدر أهل العزم تأتي العزائم”.
المقصود هنا يتجاوز المفاضلة بين نَصَّيْن إلى الانتقاص من ثورة ديسمبر ومن الذين صنعوها. لكن المقارنة لا تستقيم حتى بمعايير النقد الفني؛ فقد انتقى لأكتوبر نَصَّاً شعرياً ملحمياً، وقابله بمقطع خفيف من غناء الاعتصام، متجاهلاً اختلاف المقام والوظيفة، ثم حَمَّل هذه المقابلة حكماً على ثورة بأكملها. هكذا صارت النتيجة كامنة في طريقة الاختيار، قبل أن يبدأ النظر في أيٍّ من التجربتين.
ولحسين خوجلي مع هذا الانتقاص تاريخٌ يسبق سقوط النظام؛ ففي مارس ٢٠١٩، وبينما كانت دماء المتظاهرين تسيل في الشوارع، وصفهم عبر قناته التلفزيونية بـ “الجرذان” وزعم أن عددهم لا يتجاوز ٢٪ من الشعب السوداني، مُتوعِّداً بأن التيار الوطني الإسلامي الذي تبلغ نسبته ٩٨٪، سيخرج لإعادتهم إلى “جحورهم”؛ ووصفني وآخرين بـ “شُذَّاذ الآفاق” .. لذلك يصعب فصل سخريته اليوم من أغنيات الثورة عن موقفه بالأمس من حق أصحابها في الثورة أصلاً. لقد تغيّرت وسيلة الانتقاص، وبقي الموقف من إرادة الناس على حاله.
لأكتوبر مكانتها الراسخة في وجدان السودانيين، ولا تحتاج إلى السخرية من ديسمبر لإثبات عظمتها. وليس من الإنصاف أن تُستدعى ذاكرة ثورة مجيدة لتُستخدم في التَهكُّم على جيل لاحق خرج يطلب الحرية والكرامة. فالثورات لا تدخل التاريخ بنتيجة مسابقة بين أغنياتها، وإنما بعدالة قضاياها وشجاعة شعوبها وما تبذله من تضحيات.
لقد هَدَر الملايين من ثوار ديسمبر في الشوارع والساحات، بكامل البسالة والجسارة، مُتَحَدِّين ترسانة القوانين القمعية وفيالق الأجهزة الأمنية. لم يكن حراكهم الثوري مجرد كتابة عابرة على الرمل تذروها الرياح، وإنما تعبيراً عن إرادة شعبٍ في الحياة وتصميمه على كسر القيود والزحف نحو أنبل ما عرفت البشرية من غايات: الحرية والسلام والعدالة.
وحتى المقطع الذي اختاره حسين مادةً للتهكم، فإن الحديث فيه عن الشاي والطعام واحتياجات المعتصمين اليومية لا يدعو، في ذاته، إلى الازدراء. وراء هذه التفاصيل البسيطة معانٍ سامية تستحق التأمل: أن يتقاسم الناس ما يملكون، وأن يجد القادم إلى ساحة الاعتصام من يقول له إن مكانه وطعامه واحتياجاته مسؤولية مشتركة. يجوز الاختلاف حول القيمة الفنية لهذا التعبير، لكن بساطة لغته لا تُبْطِل قيمة التضامن الذي يُعبِّر عنه، ولا تجعل أصحابه أقل استحقاقاً للاحترام .. أما عبارة “كنداكة نَعرِّسا ليكْ / ولو أبَتْ نحنكا ليكْ”، فحتى لو قصد قائلها ملمحاً فكاهياً، فإن ذلك لا يمنع نقد ما توحي به من اختزال للمرأة واستخفاف بإرادتها؛ فالنساء شريكاتٌ في صنع الثورة؛ غير أن رفض هذه العبارة لا يُبرِّر اختزال ثورةٍ بأكملها فيها، واتخاذها ذريعةً للسخرية من مطالب الثوار وتضحياتهم.
ليس مطلوباً، دفاعاً عن ثورة ديسمبر، تزكية كل عبارة قيلت في ساحاتها أو كل فعل ارتُكب باسمها. من حق أي ناقد أن يعترض على أغنية، أو يُفنِّد شعاراً، أو يحاسب القوى السياسية على أدائها وأخطائها. لكن عليه أن يقيم الصلة بالحجة بين ما ينتقده وما يستخلصه من أحكام؛ فلا تكفي عبارة، ولو كانت مستهجنة، لإدانة ثورة ولا تعفي السخرية صاحبها من مناقشة أسباب خروج الناس ومطالبهم.
كان الأجدر بحسين خوجلي، ما دام قد اختار الحديث عن “السقوط”، أن يسأل: ما الذي دفع السودانيين إلى الثورة على نظامهم ومواجهة بطشه بصدورٍ عارية حتى أسقطوه؟ وأيُّ انسداد دفعهم إلى احتمال الرصاص طلباً للخلاص؟ وأيُّ واقعٍ جديد كانوا ينشدونه؟ تلك هي الأسئلة التي يتعين على نقد ديسمبر أن يواجهها. أما تجاوزها إلى التهكم على ما غَنَّاه بعض المعتصمين، فيترك أصل القضية بلا جواب.
وعبارة المتنبي التي أراد بها تصغير شأن ثورة ديسمبر ترتدُّ إلى معناها الأصيل حين نستحضر شجاعة الذين خرجوا عُزَّلاً – إلَّا من هتاف الحناجر – وهم يعلمون أن طريقهم قد ينتهي إلى الموت أو السجن أو الإصابة. هؤلاء يُقاس عزمهم بما خرجوا يطلبونه وبما واجهوا في سبيله وما ضَحُّوا به، لا بما اختاره حسين خوجلي من أغنياتهم. ومن حقه أن يختلف معهم، لكن السخرية لا تنقض قضيتهم، ولا تنتقص من قدر تضحياتهم.
لقد دَرَج خصوم ثورة ديسمبر على وصفها بالمسخرة واتهامها بأنها صنيعة الخارج، إنكاراً لإرادة شعبٍ أسقط نظامهم ورفض استمرار ثنائية استبداده وفساده. وحين عجزوا عن محوها واقتلاع ما تُمثِّله من حلمٍ بحياة كريمة من صدور الناس، سعوا إلى القضاء عليها بالحرب؛ لكن فات عليهم أن حلم الشعوب بالحياة الكريمة لا يموت؛ ومهما أوغلوا في التآمر عليها، تظل ثورة ديسمبر هي الراية بما جَسَّدته من إرادة الانعتاق، وهي الغاية بما حملته من وعدٍ لم يكتمل إنجازه: وطنٍ مُحَرِّرٍ من الفقر والجهل والمرض والظلم والحروب، وصالحٍ للإقامة بشروط الوجود الكريم.
ستظل راية ديسمبر مرفوعةً حتى تتحقق الغاية: وطنٌ يليق بشعبه وتضحيات شهدائه .. أما سخرية خصومها، فلن تمنح الاستبدادَ والحربَ شرعية، ولن تجعل طلبَ الحرية والسلام والعدالة خطيئة؛ فليس على شعبٍ رفض الاستبداد والذُّلَّ أن يعتذر عن وعيه وعن ثورته، بل على من أذَلُّوهُ – ماضياً وحاضراً – أن يجيبوا عن جرائمهم ويتحملوا مسؤوليتهم عنها.