عتمة البحر وصمته

يس علي يس

لم يكن قادرا على انتشال تفكيره من عمق البحر.. وهو يتكئ على حافة هذه القطعة التي تمخر عباب البحر.

لا شيء هنا سوى ماء .. وسماء.. وهذه القطعة المتأرجحة.. وموجات من الأفكار.. لا تكاد تنتهي إو تنقطع.. حتى تبدأ أخرى.

عتمة البحر وصمته.. هيبة السماء وامتدادها..

وأنت هنا في هذا المنعزل.. وهذا الركن.. لا تملك إلا حواسا عاجزة عن اختراق المسافة.. ترسل عينيك ما استطاعت بحثا عن يابسة.. أو أضواء بعيدة.. أو حتى شبح أشياء تلوح في أفق انتظارك.. لتقطع حالة الملل والترقب والانتظار داخلك.. وتنهي المغامرة والخوف.. فاليابسة هي حنين الإنسان الأبدي.. حتى وإن كان البحر صديقا مقربا.

يبقى الإنسان دائما في رحلة البحث عن إنسان..

حتى وإن كان سيئا.. فإن وجوده في المكان يبعث شيئا من الطمأنينة.. لذلك فإن الجزر المعزولة مهما بلغ بها الهدوء.. فإنها تظل تبحث عن الناس.. حتى أؤلئك الذين يعيشون حالة انفراد.. يستمتعون بسماع فوضى الناس.. حتى وإن لم يكونوا جزءا من تلكم الفوضى.. فالمهم هو دبيب الحياة من حولك.. وإحساس أن هناك بشر في المكان.

وهذا البحر يا صديقي.

ربما يمتص ملايين النظرات.. والآهات.. والحكايا.. ويبتلع الناس.. ويسخط .. ويرضى.. لكنه يظل أبدا رفيق التأملات.. ومرآة السماء.

فالشمس في البحر لا تشبهها في البر.

والليل في البحر.. يهز حتى قلوب الفرسان.

أولئك الذين ينزوون في قمراتهم ليلا.. لا يشعرون بالتعب بقدر ما يخشون مواجهة خوفهم وضعفهم وضآلتهم أمام جبروت البحر.

هو هروب فقط من اتساع فم البحر.. وهول قبضة قبة السماء..

وبين هذا وذاك..

أنت لا شيء.

ولا حتى ريشة في هذا الكون العملاق.

كل من تغنى لحبيبته وهو أمام البحر..

كانت قدماه على اليابسة.. وبيده كوبا من القهوة أو الشاي.. وبعض الورق.. وكثير من الأرق..

كتب لأنه يدرك أنه بعد ساعة أو أكثر سينصرف إلى بيته وفي يده قصة أو قصيدة.. ولم يعش هول الهدوء العظيم والليل المطبق.

في وسط البحر العظيم.. لا أحد يتذكر أحدا.

وكل يغني على نفسه..

نفسي.. نفسي. نفسي..!!

أما الحب.

فليس سوى فصاحة يابسة فقط..!!

↑
Exit mobile version