(قلم السودان) عضواً رسمياً في (القلم الدولي) : مقعدٌ على طاولة العالم .. فماذا نفعل به؟

الدوحة - مشاوير : مجدي علي

كان الكاتب السوداني، في أزمنة مضت، يحسب حساب الرقيب: رجل واحد، وقلم أحمر، وبلاغ مدبّر، وربما حرب أو اعتقال، وسلطة يعرف الجميع وجهها. ثم تبدّلت الأحوال، وصار الرقيب أهون المتاعب، بعدما زاحمته قائمة لا تنتهي من المشكلات: دار هجرها أهلها في ليلة واحدة، ومكتبة لا يعرف أحد أين انتهت رفوفها، ومخطوطة تتنقّل بين حقيبة وأخرى، وشبكة اتصال تظهر وتغيب كأنها تختبر الصبر. وسط هذا كله، وصل خبر يستحق التوقّف عنده: صار (قلم السودان) عضواً رسمياً في (القلم الدولي).

ولفهم ما يتيحه هذا الإنجاز، لا بد من العودة إلى الحكاية من بدايتها. ففي 30 سبتمبر 2026، أقرّت الجمعية العامة للمنظّمة، ضمن مؤتمرها الثاني والتسعين، قبول المركز السوداني، بعد نحو عامين من العمل المشترك لكتّاب سودانيين في الداخل والخارج. وقد رشّح (قلم النمسا) المركز، وأيّده (قلم جنوب إفريقيا)، في خطوة فتحت أمام الأدب السوداني باباً جديداً للتواصل المؤسّسي مع العالم.

تأسّس (القلم الدولي) في لندن عام 1921، وامتد نشاطه إلى أكثر من مئة بلد، ويتمتع بصفة استشارية خاصة لدى الأمم المتحدة وصفة منتسب لدى اليونسكو. وهو ليس نادياً يتبادل أعضاؤه التحيات الأنيقة، بل منظّمة تُعنى بحماية الكتّاب حين تضيق بهم السبل، وتدافع عن حرية التعبير، وتساند المهدّدين، وتصون الحقوق اللغوية. من هنا، لا تُقاس قيمة العضوية بما تضيفه إلى السيرة، بل بما تتيحه من إمكانات للدفاع عن الكتّاب وإيصال أصواتهم.

فماذا تعني هذه العضوية لكاتب في الخرطوم أو ود مدني، أو في مخيم نزوح، أو منفى بعيد؟ تعني أن صوته قد يبلغ مسامع أبعد، وأن قضيته قد تجد من يتبناها. فلأعوام طويلة، توارت أخبار الثقافة السودانية في ذيل النشرات، وحضر السودان في سجلات المنظّمة عبر قضايا الصحفيين والأدباء وما أصاب الحياة الثقافية من خراب، من دون مركز يتولى تمثيل كتّابه. أما الآن، فتتيح العضوية توسيع شبكة التضامن، بحيث يجد الكاتب المعرّض للخطر من يسانده، والناشر جهة يتوجّه إليها، والمترجم طريقاً إلى النصوص السودانية. كما تمنح المركز حق المشاركة والتصويت في مؤتمرات المنظّمة، ليكون السودان طرفاً في النقاش وصنع القرار، لا مجرد اسم في قائمة المشاركين.

وتكتسب الخطوة أهمية إضافية من توقيتها؛ فالبلاد تمر بواحدة من أقسى مراحل تاريخها، وكتّابها موزّعون بين مدن وقارات، ومع ذلك نجحوا في بناء صلة مؤسّسية بالعالم. وفي ذلك دلالة على أن المبادرات التي تجمعها فكرة مشتركة تستطيع، حتى حين تتعثّر المؤسّسات الكبرى، أن تفتح مسارات جديدة للعمل.

غير أن قيمة الإنجاز لا تكتمل بمجرد الاعتراف به؛ فما يأتي بعد العضوية هو الاختبار الأهم. ففي المؤتمر نفسه، صوّتت الجمعية على فصل مركزي كينيا والسنغال لعدم استيفائهما شروط العودة، ومنها تسوية الاشتراكات والالتزام بميثاق المنظّمة. وهذه سابقة تذكّر بأن الانتماء مسؤولية مستمرة، وأن الميثاق عهد لا يُطوى بانتهاء المناسبة. ولأن المنظّمة مستقلة عن الاصطفافات السياسية، فعلى (قلم السودان) أن يجعل حق الكاتب في التعبير أساساً لموقفه، وأن يدافع عن أصحاب الأقلام من دون أن يحوّل الاختلاف إلى سبب للإقصاء.

من هنا، لا يكفي أن نسأل عمّا تتيحه العضوية، بل عمّا ينبغي للمركز أن يفعله بهذه الفرصة. علينا أن نضع أمامه خمسة مطالب واضحة:

أولاً، التوثيق. سيأتي يوم يسأل فيه التاريخ عمّن قُتل أو اعتُقل أو شُرّد من أهل الكلمة والصورة والصوت. وعلى المركز أن يبني سجلاً موثوقاً للأسماء والوقائع والتواريخ، بعيداً عن المبالغة والتهوين.

ثانياً، المساندة. كم من كاتب خرج من بيته حاملاً نصّه، ولم يعرف إلى من يتوجه! لذلك، ينبغي للمركز أن يعرّف الكتّاب ببرامج المنظّمة لمساعدة المهدّدين، وأن يرشد المحتاجين إليها.

ثالثاً، الاتساع. لا يليق بمركز يحمل اسم السودان أن يتحوّل إلى نادٍ يقتصر على كتّاب المدن الكبرى؛ بل ينبغي أن يتسع للدارفوري والكردفاني والنوبي والبجاوي، وللكاتبة كما للكاتب، ولصاحب الشعر الشعبي كما لصاحب الفصيح، ولأصحاب اللغات السودانية المتعددة.

رابعاً، الشفافية والاستقلال. يحتاج المركز إلى وضوح في الموارد والانتخابات وآليات اتخاذ القرار؛ فالثقة في هذا الزمن أندر من التمويل.

خامساً، إيصال النصوص. من حق الأدب السوداني أن يصل إلى قراء بلغات مختلفة. ولهذا، ينبغي أن يجعل المركز من الترجمة والنشر والأمسيات جسوراً إلى العالم، وأن يحوّل الأمسيات التي نظّمها في لندن وباريس إلى بداية برنامج متصل، لا محطات منفصلة في سجل الأنشطة.

ويبقى مطلب سادس، أضيفه همساً: أن يتذكّر (أهل القلم) أن الناس لا تقيس الإنجازات بعدد البيانات، بل بما تتركه من أثر. فإذا جاء يوم يقول فيه كاتب مطارد: وجدتُ أخيراً من يصغي إليّ، فقد أنجز المركز ما يتجاوز حدود مهمته.

لقد نال السودانيون مقعداً على طاولة العالم، وهذه فاتحة الحكاية لا خاتمتها. فالامتحان الحقيقي ليس في الوصول إلى المقعد، وإنما في ما سيُصنع من فوقه، ومن سيُفتح له الطريق إليه. ولعل أجمل إجابة أن يصل صوت الكاتب السوداني إلى من لم يسمعه من قبل، وأن يجد النص الذي كُتب وسط الخراب مكاناً يليق به في ذاكرة العالم.

↑
Exit mobile version