سترحل الدُّمية كامل إدريس عاجلًا أم آجلًا، وعندها، بحسب أصحاب المعجزات السياسية، سيزدهر الاقتصاد، ويرتفع سعر صرف الجنيه إزاء الدولار، وتنخفض الأسعار، وتتوافر الخدمات، ويعود النازحون واللاجئون إلى ديارهم، وتُعمَّر المدن التي دمرتها الحرب.
باختصار، سيتحول السودان إلى جنة على الأرض، ولن ينقص المواطن سوى الاعتذار عن تشاؤمه، لأنه لم يدرك أن كل مآسي البلاد كانت تنتظر رحيل رجل واحد!
يا لها من وصفة سحرية! لا حاجة إلى إنهاء الحرب، أو إصلاح الاقتصاد، أو تغيير السياسات؛ يكفي أن يغادر كامل إدريس المشهد حتى تتعافى العملة، وتنخفض الأسعار، وربما يهبط الدولار خجلًا من نفسه، اعتذارًا للشعب السوداني!
وهكذا تستمر المسرحية: تتبدل الوجوه، ويبقى المخرجون والنص نفسه، ثم يُطلب من الجمهور التصفيق للممثل الجديد قبل أن يبدأ العرض. وحين يفشل، يُقال إن المشكلة كانت في الشخص، وإن البلاد تحتاج إلى بديل أكثر كفاءة؛ أما السيناريو الذي يعيد إنتاج الفشل، فلا يقترب منه أحد!
لكن المواطن لا يأكل التصريحات، ولا يدفع فواتيره بالشعارات. إنه يريد سلامًا ينهي الحرب، واقتصادًا يوفر لقمة العيش، وسلطةً تُحاسَب على أفعالها بدل أن تتقن صناعة الأعذار.
فليرحل كامل إدريس، وليأتِ من يأتي بعده؛ لكن ماذا سيتغير إذا بقيت المنظومة كما هي؟ هل يكفي تغيير الاسم على باب المكتب كي تتغير حياة الناس، أم أننا سنشهد فصلًا جديدًا من الحكاية القديمة، بالوعود ذاتها والنتائج ذاتها؟
إن الخلاص لا يأتي بتغيير الأشخاص وحده، بل بإنهاء الحرب، ومحاسبة المسؤولين عن الكارثة، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتفكيك منظومة الفشل والفساد، وإعادة القرار إلى الشعب.
أما انتظار أن يهبط الدولار حياءً، وتنخفض الأسعار كرمًا، وتتدفق المياه والغاز فجأةً اعترافًا بفضل العهد الجديد، فذلك ليس مشروع إنقاذ، بل كوميديا سوداء. والشعب السوداني، الذي لم يعد يملك ثمن التذكرة، ما زال مضطرًا إلى مشاهدة العرض؛ لأنه لا يجلس في صالة المسرح فحسب، بل يدفع من حياته ثمن المسرحية، بينما يصرّ المخرجون على إقناعه بأن تغيير الممثل كفيل بتغيير النهاية!