الجنرال الذي حمل البندقية حتى بلغ باب السلام .. رحيل جوزيف لاقو .. زعيم (الأنانيا) ومهندس اتفاقية أديس أبابا

جوبا - مشاوير : مجدي علي

ودعت جوبا، أمس الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، الجنرال جوزيف لاقو يانغا، رئيس المجلس التنفيذي العالي الأسبق لإقليم جنوب السودان والنائب الثاني الأسبق لرئيس جمهورية السودان، عن عمر ناهز 94 عاماً، بعد وعكة صحية نُقل على إثرها إلى أحد مستشفيات العاصمة قبل يومين من وفاته.

وبرحيله، يغيب أحد أبرز قادة المقاومة الجنوبية الذين ارتبطت مسيرتهم بمحطة الانتقال من الحرب إلى التفاوض، وصولاً إلى اتفاقية أديس أبابا للسلام عام 1972.

ونعى الرئيس سلفا كير ميارديت، الموجود في روسيا للمشاركة في القمة الروسية الأفريقية، الراحل، واصفاً إياه بأنه “بطل قومي ورمز للتحرير أفنى حياته من أجل حرية شعب جنوب السودان”.

وأعلن الحداد الوطني، ووجّه بتنكيس الأعلام في أنحاء البلاد والبعثات الدبلوماسية بالخارج حتى مواراة الجثمان الثرى، مؤكداً أنه سيتقدم مراسم تشييع رسمية وعسكرية تليق بمكانة الراحل.

بدأت رحلة لاقو في 21 نوفمبر 1931، حين وُلد بمنطقة مدي في الإقليم الاستوائي. وبعد تخرّجه في الكلية الحربية بأم درمان عام 1960، خدم ضابطاً في القوات المسلحة السودانية حتى عام 1963، قبل أن ينشق عن الجيش ويلتحق بالمقاومة المسلحة في الجنوب.

وكان تمرّد توريت قد اندلع في أغسطس 1955، حين كان لاقو لا يزال طالباً، لكنه التحق لاحقاً بالحركة، وصعد إلى موقع قيادي مكّنه من توحيد فصائلها المتفرقة تحت مظلّة (حركة تحرير جنوب السودان)، بجناحها العسكري (أنانيا الأولى) (Anya Nya I)، ليصبح أحد أبرز وجوه المقاومة الجنوبية.

ومن قيادة الميدان، انتقل لاقو إلى قيادة التفاوض، في محطة مثّلت تحوّلاً مهماً في مسيرته وفي تاريخ الصراع بين الشمال والجنوب. فقد قاد الوفد الجنوبي المفاوض مع حكومة الرئيس جعفر نميري، برعاية الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي، وصولاً إلى توقيع اتفاقية أديس أبابا في مارس 1972. وأنهت الاتفاقية الحرب الأهلية السودانية الأولى، التي استمرت نحو 17 عاماً، ومنحت جنوب السودان حكماً ذاتياً إقليمياً ببرلمان وحكومة تنفيذية، ونصت على دمج مقاتلي الأنانيا في الجيش والشرطة السودانيين.

ومهّدت الاتفاقية لعودة لاقو إلى الخدمة العسكرية، حيث ترقّى إلى رتبتي لواء وفريق، وتولى قيادة المنطقة العسكرية الجنوبية، قبل انتقاله إلى العمل السياسي. وترأس المجلس التنفيذي العالي لإقليم جنوب السودان بين عامي 1978 و1979، ثم شغل منصب النائب الثاني لرئيس جمهورية السودان في عهد نميري بين عامي 1980 و1985.

وفي مسيرته الدبلوماسية، عمل سفيراً للسودان ومندوباً دائماً لدى الأمم المتحدة في نيويورك بين عامي 1990 و1992، ثم سفيراً متجوّلاً حتى استقالته في مايو 1998.

وإلى جانب مسيرته العسكرية والسياسية، حرص لاقو على توثيق تجربته ورؤيته للصراع وتطلعات الجنوبيين. ومن أبرز ما تركه كتاب (الأنانيا: ما الذي نحارب من أجله؟)، الصادر عام 1972، ومذكراته المكتوبة بالإنجليزية (Sudan Odyssey Through a State from Ruin to Hope)، الصادرة عام 2006، التي تناول فيها مسار السودان من الخراب إلى الأمل.

وبرحيل لاقو، تفقد جنوب السودان واحداً من أبرز رموز جيل التحرّر، وتستعيد سيرة قائد ارتبط اسمه بالمقاومة المسلحة وبمحاولة إنهاء الحرب عبر التسوية السياسية.

وتظل اتفاقية أديس أبابا أبرز محطات إرثه العام، بما مثّلته من فرصة لإنهاء القتال وإرساء حكم ذاتي للجنوب، قبل أن تعود البلاد لاحقاً إلى دوامة الصراع.

↑
Exit mobile version