في كل أغنية سودانية جميلة صوتٌ لا يراه المستمع ولا يسمّيه، لكنه يشعر به حين يغيب. إنه النبض الغليظ الذي يسند اللحن من تحته، ويمنحه ثقله وطمأنينته. ارتبط هذا الصوت في الذاكرة الموسيقية السودانية باسم (ترنتي)، الذي رحل اليوم الخميس في القاهرة، الموسيقار وعازف الجيتار رمضان علي بشير، أحد رواد الموسيقى الحديثة في السودان، تاركاً أثراً يتردّد في أعمال كبار الفنانين، وحضوراً كان يُسمع أكثر مما يُرى.
وُلد رمضان علي بشير عام 1939 في حي الديوم الشرقية بالخرطوم، حيث تشكّلت ملامح تجربته الأولى في بيئة عُرفت بحيويتها الفنية واحتضانها للمواهب الموسيقية. بدأ رحلته مع آلة الكمان، قبل أن يتجه إلى الجيتار ويتعلّم العزف عليه على يد الموسيقار شرحبيل أحمد، ليشق طريقه في عالم الموسيقى، ويصبح لاحقاً واحداً من الأسماء البارزة في جيل العازفين الذين أسهموا في تطوير الأغنية السودانية الحديثة. وتخرّج في معهد الموسيقى والمسرح، وانضم إلى الإذاعة السودانية عام 1970، عازفاً للجيتار ضمن أوركسترا الإذاعة والتلفزيون.
وتذهب روايات توثيقية وشهادات من الوسط الموسيقي إلى أن ترنتي كان من أوائل من عزفوا على البيز جيتار (Bass Guitar) وسجّلوا به في استديوهات الإذاعة والتلفزيون السوداني (هنا أم درمان). ولم يقتصر دوره على إدخال الآلة إلى التجربة الموسيقية المحلية، بل أسهم في ترسيخ مكانتها داخل البناء الأوركسترالي، جامعاً بين الخط اللحني والإيقاعي والهارموني في نسيج متكامل.
كما تنسب إليه شهادات منشورة في الأرشيف الفني جهداً في معالجة إشكالات التوافق الهارموني في موسيقى إذاعة أم درمان، من خلال توظيف الجيتار بما ينسجم مع السلم الخماسي والخصوصية اللحنية السودانية، مضيفاً إلى الأغنية ألواناً من التعبير والجمال.
ولفهم الجذور التي خرج منها هذا الصوت، لا بد من العودة إلى ديم أبريش، المعروف بحي الأبارشة في الديوم الشرقية، والذي يصفه أهله ومحبوه بأنه (أرض النغم والمازيكا). ففي ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، كان الحي حاضنة للمواهب الموسيقية ومؤسسي فرق الجاز والموسيقى الحديثة، كما ظل حاضراً في الحياة العامة والنضال الوطني.
وفي هذه البيئة تشكّلت تجربة ترنتي، إلى جانب أسماء أسهمت في رسم ملامح المدرسة الموسيقية الحديثة، من بينها الرائد قسم الله، مؤسس فرقة (جاز النسر)، وعازف الكمان عوض رحمة، ومحمد جبريل، وإبراهيم حسين.
وفي تلك البيئة التي جمعت بين التجريب الموسيقي والعمل الجماعي، تميّز ترنتي بإتقانه آلته ودقة أدائه وحضوره اللافت على المسرح، حتى وصفه بعض معاصريه بأنه “الأول دون منازع في مجاله”. وعُرف كذلك بخفة ظله وروحه المرحة، وهما سمتان جعلتاه قريباً من زملائه وتلاميذه، إلى جانب حضوره الفني.
أما لقب (المايسترو الصامت)، الذي عُرف به بين زملائه، فيلخّص جانباً أساسياً من شخصيته الموسيقية؛ فقد كان من العازفين الذين يتركون أثرهم في صميم العمل من دون أن يتقدّموا إلى الواجهة، ويمنحون الأغنية قوتها من داخل نسيجها.
وتجلّى هذا الدور في مرافقة ترنتي لكثير من مطربي جيله، إذ كان من العازفين الذين صاحبوا عدداً من أبرز الفنانين السودانيين في الحفلات والتسجيلات. فقد شكّل، إلى جانب محمد جبريل، عماد الفرقة التي صاحبت العندليب الأسمر الراحل زيدان إبراهيم، كما رافق شرحبيل أحمد ومصطفى سيد أحمد ومحمد الأمين.
ومن خلال هذه التجارب، أسهم في إرساء دعائم موسيقية متينة لأعمال بارزة في تاريخ الأغنية السودانية، وتعزيز مكانة العازف في بنائها وتطوير موسيقاها المصاحبة. كذلك شارك ضمن الفريق القومي الموسيقي السوداني في محافل ومهرجانات خارجية، ممثّلاً بلاده في تجارب عكست حضور الموسيقى السودانية خارج حدودها.
وينتمي ترنتي إلى جيل (الجنود المجهولين) الذين صنعوا خلف المطربين جماليات الأغنية السودانية، وغابت أسماؤهم عن كثير من الكتابات التوثيقية.
ويبرز إلى جانبه محمد جبريل، الذي يصفه متابعون بأنه من أمهر عازفي البيز جيتار في السودان، وعبد الوهاب أحمد الفكي، عازف الأكورديون، ضمن أسماء يرى متابعون أن إبداعها يستحق مزيداً من التوثيق والإنصاف.
أما الاسم الذي لازمه طوال رحلته، فله حكاية تعود إلى السينما.
إذ تربط الروايات المتداولة في الوسط الموسيقي لقبه بأفلام الغرب الأمريكي (الكاوبوي) التي راجت في سبعينيات القرن الماضي، وبالممثل ترنس هيل (Terence Hill)، المعروف بأدواره في هذا النوع من الأفلام، ولا سيما سلسلة أفلام (ترينيتي).
وتقول هذه الروايات إن الفنان التشكيلي ورسام الكاريكاتير صلاح أبايزيد لاحظ الشبه بين ترنتي والشخصية السينمائية، فرسم عنه سلسلة من الكاريكاتيرات استلهمت حيويته على المسرح، ليلتصق به اللقب ويصبح جزءاً من هويته الفنية.
وبعد عقود من العطاء، حظي ترنتي في مارس 2024 بتكريم في القاهرة، ضمن فعالية للاحتفاء برواد أوركسترا الإذاعة السودانية، نظّمها مشروع التراث الثقافي للهجرة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، بالتنسيق مع جهات معنية بالموسيقى. وجاء التكريم التفاتة إلى جيل شارك في بناء التجربة الموسيقية الحديثة، وظلّت أعماله حاضرة في وجدان المستمعين، رغم أن كثيراً من أسمائه لم ينل ما يستحقه من توثيق واحتفاء.
وبرحيل رمضان علي بشير، تفقد الموسيقى السودانية عازفاً شارك في مرحلة مهمّة من تطور أوركسترا الإذاعة، وترك بصمته في تسجيلات رافق فيها كبار الفنانين. وتعيد سيرته التذكير بأن جمال الأغنية لا تصنعه الأصوات التي تتصدّر المشهد وحدها، بل ينهض أيضاً على عطاء عازفين منحوا الألحان عمقها، وأثروا نسيجها، وأسهموا في تشكيل ملامحها عبر أجيال. ومن هنا تبرز أهمية توثيق تجارب هؤلاء الموسيقيين وشهاداتهم ومساراتهم، وحفظها للأجيال الجديدة؛ فهم شركاء أصيلون في صناعة الأغنية السودانية، وليسوا مجرد أسماء عابرة في خلفية المشهد.