ضيق المعيشة يدفع السودانيين إلى جحيم مناجم الذهب

مشاوير - تقرير : إسراء الشاهر

لم يعُد البحث عن الذهب في السودان مقتصراً على العاملين في قطاع التعدين أو الباحثين عن الثراء السريع، بل أصبح بالنسبة إلى بعض السودانيين وسيلة لمواجهة واقع اقتصادي فرضته الحرب التي اندلعت في أبريل عام 2023، فمع فقدان الوظائف وتعطل الأنشطة التجارية والزراعية ونزوح أعداد كبيرة من السكان بعيداً من مناطقهم، اتجه بعضهم إلى مناطق التعدين الأهلي في شمال البلاد وولاية نهر النيل، حيث تبدو المناجم على رغم أخطارها، فرصة متاحة للحصول على دخل يومي أو عائد من الممكن أن يغيّر أحوال الأسرة.

في مناطق مثل أبو حمد والعبيدية، تداخل نشاط التعدين مع حركة السكان الباحثين عن العمل، وأصبح جزءاً من اقتصاد محلي يستوعب أنماطاً مختلفة من العمالة، بدءاً من التنقيب وتكسير الصخور، وصولاً إلى نقل الخام ومعالجته وشراء الذهب وبيعه، لكن هذا النشاط لا يضمن دخلاً ثابتاً لجميع العاملين، إذ تتوقف العوائد على كمية الذهب المستخرجة وكلف الوقود والمعدات ونسب تقاسم الأرباح مع أصحاب الآبار أو ممولي العمل.

لقمة العيش

بالنسبة إلى عامل فقد منزله أو مزارع تعطلت أرضه أو شاب لم يعُد يجد وظيفة، قد لا يكون الذهاب إلى المنجم قراراً نابعاً من الرغبة في الثراء، بل استجابة لضيق الخيارات، ففي مناطق التعدين يستطيع بعض الوافدين البحث عن عمل بأجر، أو المشاركة في استخراج الذهب مقابل حصة من العائد، أو العمل في تكسير الصخور ونقل الخام، لكن هذه الفرص لا تعني أن كل عامل سيحصل على دخل مضمون، فقد يقضي أياماً في العمل من دون العثور على كمية كافية من الذهب لتغطية نفقاته، وبين الحاجة إلى إعالة الأسرة وعدم وجود بدائل مستقرة، تصبح المخاطرة جزءاً من حسابات البقاء اليومية.

المحلل الاقتصادي السر سليمان قال إن “الحرب في السودان أدت إلى تغييرات واسعة في مصادر دخل الأسر، بعدما فقد كثير من المواطنين وظائفهم أو تعطلت أنشطتهم التجارية والزراعية، فيما اضطر آخرون إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن الأمان ومصادر جديدة للرزق، ووسط محدودية فرص العمل في بعض مناطق النزوح، أصبح التعدين الأهلي أحد الخيارات التي قد يتجه إليها أشخاص يبحثون عن مورد لإعالة أسرهم، على رغم الأخطار المرتبطة بهذا النشاط”.

وتابع أن “جاذبية التعدين الأهلي تكمن في أنه لا يتطلب في جميع الحالات المرور بإجراءات التوظيف التقليدية أو امتلاك مؤهلات أكاديمية محددة، إذ يستطيع بعض الأشخاص الالتحاق بالعمل في مواقع التعدين مقابل أجر يومي، فيما يعمل بعضهم الآخر في تكسير الصخور ونقل الخام وفرزه ومعالجته، ومن الممكن أن يشارك آخرون في عمليات الاستخراج مقابل حصة من الذهب الناتج، وهذا التنوع في أنماط العمل يجعل القطاع قادراً على استيعاب عمالة تختلف خبراتها وإمكاناتها الاقتصادية، لكنه لا يعني أن جميع العاملين يحصلون على فرص متساوية أو عوائد مضمونة”.

وأردف سليمان أن “بالنسبة إلى النازحين الذين فقدوا مصادر دخلهم، يبدو التعدين خياراً متاحاً مقارنة بانتظار وظيفة رسمية ربما يستغرق الحصول عليها وقتاً طويلاً، فالحاجة إلى توفير الغذاء والسكن وتغطية حاجات أفراد الأسرة تدفع بعضهم إلى قبول أعمال شاقة في بيئات تفتقر أحياناً إلى شروط السلامة المهنية والخدمات الصحية الأساسية، وفي مثل هذه الظروف، لا يكون قرار العمل في المناجم بالضرورة اختياراً بين وظيفة آمنة وأخرى خطرة، بل ربما يكون اختياراً بين المخاطرة والعمل من جهة، واستمرار انعدام الدخل من جهة أخرى”، مضيفاً أن “من الضروري التمييز بين العائد المحتمل من استخراج الذهب والدخل الفعلي الذي يحصل عليه العامل، فالإنتاج يتأثر بكمية الخام المتاحة واحتمالات العثور على الذهب وكلف المعدات والوقود والنقل والمعالجة، وقد يعمل الشخص أياماً من دون تحقيق عائد يوازي نفقاته، بينما تتفاوت أوضاع العاملين بحسب طبيعة اتفاقاتهم مع أصحاب الآبار أو ممولي عمليات التعدين”.

واختتم سليمان حديثه بالقول “تختلف الأخطار الاقتصادية باختلاف موقع العامل في سلسلة الإنتاج، فالعامل الذي يتقاضى أجراً يومياً من المحتمل أن يحصل على دخل أكثر انتظاماً، وإن كان محدوداً، بينما يتحمل من يعمل بنظام الحصة جانباً من عدم اليقين المرتبط بكمية الذهب المستخرجة وقيمته، أما من يمول عملية الاستخراج، فربما يتحمل كلفاً أعلى وأخطاراً مالية أكبر، لكن من الممكن أن يحصل أيضاً على حصة مختلفة من العائد، ولذلك فإن تقييم الجدوى الاقتصادية للتعدين الأهلي يتطلب معرفة طبيعة العمل وشروط الاتفاق وكلف المعيشة، بدلاً من الاكتفاء بقيمة الذهب المستخرج أو الأسعار المتداولة في الأسواق”.

كلفة النجاة

لا تنتهي المخاطرة بمجرد الوصول إلى مناطق التعدين، فداخل مواقع الاستخراج والمعالجة، يواجه العاملون أخطاراً تراوح ما بين انهيار الآبار والإصابات الناجمة عن المعدات والتعرض للمواد الكيماوية المستخدمة في فصل الذهب، وقد يعمل بعضهم في مواقع بعيدة من المستشفيات، وفي ظروف سكنية تفتقر إلى الخدمات الأساسية ومستلزمات السلامة، وتزداد المشكلة تعقيداً عندما يصبح العامل مضطراً إلى الاختيار بين التوقف عن العمل حفاظاً على سلامته، أو مواصلته لتأمين حاجات أسرته، وفي هذه المعادلة لا يتحمل العامل وحده تبعات الأخطار، إذ يمكن أن يمتد أثرها إلى أسرته ومجتمعه، من خلال فقدان المعيل أو الإصابة بأمراض مرتبطة بالتلوث.

المتخصص في الصحة والسموم مهند عبدالمجيد يقول إن “التعدين الأهلي في السودان يرتبط بأخطار صحية ومهنية تتفاوت بحسب ظروف العمل وطبيعة مواقع الاستخراج والمواد المستخدمة في معالجة الذهب، ومع الضغوط الاقتصادية التي خلفتها الحرب، يجد بعض العاملين أنفسهم مضطرين إلى مواصلة العمل في بيئات خطرة تفتقر إلى وسائل الحماية والخدمات الطبية الكافية”.

موضحاً أن “أبرز الأخطار تشمل انهيار الآبار والحفر والإصابات الناجمة عن المعدات والاختناق في الأماكن سيئة التهوئة، وتزداد خطورة هذه الحوادث في المواقع التي تفتقر إلى إجراءات السلامة وتدعيم الحفريات، خصوصاً عندما تكون بعيدة من المستشفيات وخدمات الإسعاف”.

وأضاف عبدالمجيد أن “الأخطار لا تقتصر على الحوادث المباشرة، إذ يتعرض العاملون في بعض مواقع معالجة الذهب للزئبق المستخدم في فصل المعدن عن المواد الأخرى، ويمكن أن يؤدي استنشاق أبخرته أثناء الحرق إلى أضرار في الجهاز العصبي والكلى، ومن المحتمل أن يمتد التلوث إلى التربة والمياه، بما يهدد صحة السكان المقيمين قرب مواقع التعدين”.

لافتاً إلى أن “هذه الأخطار تتفاقم عندما يفتقر العاملون إلى معدات الوقاية والتدريب على التعامل مع المواد الكيماوية، أو يعملون في مواقع لا تخضع لرقابة منتظمة، كما أن غياب التأمين الصحي قد يحول الإصابة إلى أزمة اقتصادية للأسرة، خصوصاً إذا فقد العامل قدرته على الكسب، وتتطلب مواجهة هذه الأخطار تعزيز إجراءات السلامة ومراقبة استخدام المواد الكيماوية والتخلص من مخلفات المعالجة وتوفير خدمات الإسعاف والرعاية الصحية، كما أن تقدير حجم الأضرار بصورة دقيقة يستلزم بيانات ميدانية عن الحوادث والإصابات، فضلاً عن الفحوص الطبية والقياسات البيئية في المناطق المحيطة بالمناجم”.

↑
Exit mobile version