لماذا لن تغامر روسيا أو أي دولة أخرى بالاستثمار في السودان؟

عبد الجليل سليمان

استمرار الحرب وغياب الإرادة السياسية لإنهائها: لا تبدو أطراف الصراع مستعدة لتقديم تنازلات حقيقية تفضي إلى وقف الحرب، الأمر الذي يجعل مستقبل البلاد مفتوحًا على احتمالات التصعيد والتشظي، ويحوّل أي استثمار طويل الأجل إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.

تعدد مراكز القوة وتنازع السيطرة على الموارد: لم تعد الدولة تحتكر السيطرة على مواردها وأراضيها، إذ تفرض التشكيلات المسلحة والكيانات المتحاربة نفوذها على أجزاء من البلاد ومصادر مهمة للثروة، بما يفتح الباب أمام تعدد الجهات التي تدّعي حق التصرف في الموارد والعقود.

انعدام الاستقرار السياسي والمؤسسي: غياب سلطة مركزية مستقرة، وعدم وضوح مستقبل النظام السياسي، واحتمالات تغير موازين القوى، تجعل المستثمر عاجزًا عن ضمان استمرارية العقود والاتفاقيات التي يبرمها مع السلطة القائمة.

انهيار البنية التحتية وتدهور خدمات الطاقة: لا يقتصر الأمر على تضرر الطرق والجسور والموانئ والمنشآت الصناعية، بل يمتد إلى ضعف إمدادات الكهرباء وانعدام استقرارها في مناطق عديدة، فضلًا عن تراجع خدمات المياه والاتصالات والنقل. وكل ذلك يرفع تكاليف الإنتاج والتشغيل ويقلل الجدوى الاقتصادية للمشروعات.

استشراء الفساد والرشوة والمحسوبية: في بيئة تفتقر إلى الشفافية والمساءلة، تصبح الصفقات عرضة للفساد وتضارب المصالح، وتتحول التراخيص والامتيازات أحيانًا إلى أدوات للمنافع الشخصية والسياسية، بما يرفع كلفة الاستثمار ويقوض الثقة في المؤسسات.

ضعف سلطة الدولة أمام الكيانات القبلية والمطالب المحلية: لا تمتلك السلطة المركزية دائمًا القدرة على فرض التزاماتها أو حماية المشروعات التي تمنحها امتيازات قانونية. فإذا منحت روسيا، مثلًا، عقدًا لتطوير أحد الموانئ أو للتنقيب عن الذهب في أحد المربعات، فقد تقاوم الكيانات القبلية المشروع باعتباره استيلاءً على أراضيها (حاكوراتها التاريخية)، وقد يصل الأمر إلى إغلاق الطرق أو تعطيل العمل أو تهديد العاملين والمنشآت.

غياب الضمانات الأمنية لحماية الاستثمارات: لا تكفي التوقيعات الرسمية لحماية مشروع اقتصادي في بلد تتعدد فيه القوى المسلحة. فالمستثمر يحتاج إلى ضمانات فعلية لحماية منشآته وموظفيه وخطوط إمداده، وهي ضمانات يصعب توفيرها في ظل الحرب وتعدد الجهات المسلحة.

تضارب العقود والامتيازات واحتمال الطعن فيها: قد تبرم سلطة قائمة اتفاقيات مع شركات أجنبية، ثم تأتي سلطة أخرى أو جهة مسيطرة على الأرض لترفضها أو تعيد التفاوض بشأنها. كما أن تعدد الجهات التي تمنح امتيازات متعارضة يهدد المستثمر بخسارة أمواله أو الدخول في نزاعات قانونية طويلة.

عدم استقلال القضاء وضعف إنفاذ العقود: يحتاج المستثمر إلى قضاء مستقل يستطيع الاحتكام إليه عند نشوب نزاع، وإلى مؤسسات قادرة على تنفيذ الأحكام وحماية الملكية. أما حين تتداخل المصالح السياسية والعسكرية مع القضاء، فإن العقود تفقد جزءًا مهمًا من قيمتها العملية، مهما بدت محكمة الصياغة.

العقوبات والمخاطر القانونية والمالية: قد تتعرض الشركات الأجنبية، بحسب طبيعة تعاملاتها والأطراف التي ترتبط بها، لمخاطر العقوبات الدولية والقيود المصرفية وإجراءات الامتثال المالي. وتزداد هذه المخاطر في القطاعات التي تتداخل فيها المصالح التجارية مع شبكات تمويل الحرب أو الأطراف الخاضعة للعقوبات.

صعوبة تحويل الأرباح وإجراء المعاملات المصرفية: يؤدي اضطراب النظام المصرفي، وشح النقد الأجنبي، وتقلب سعر الصرف، وارتفاع مخاطر التحويلات المالية إلى تعقيد حركة الأموال بين السودان والخارج. وقد تنجح الشركة في تحقيق أرباح محاسبية، لكنها تعجز عن تحويلها أو استخدامها بحرية خارج البلاد.

غياب الشفافية في إدارة الموارد الطبيعية: تحتاج الاستثمارات في الذهب والنفط والمعادن والموانئ إلى معلومات موثوقة عن الاحتياطيات والتكاليف والحقوق القانونية والجهات صاحبة الامتياز. أما الغموض بشأن ملكية الموارد، ومسارات إنتاجها وتصديرها، والجهات التي تحصل على عائداتها، فيجعل تقدير المخاطر والعوائد أمرًا بالغ الصعوبة.

تدهور البيئة الاستثمارية وتراجع الثقة الدولية: لا تُقاس جاذبية الدولة بحجم ثرواتها الطبيعية وحده، بل بقدرتها على تحويل تلك الثروات إلى فرص اقتصادية مستقرة. وقد يؤدي استمرار الحرب وتراكم المخاطر إلى عزوف الشركات الكبرى والمؤسسات التمويلية، حتى عندما تكون الفرص المتاحة مغرية من الناحية النظرية.

انكماش السوق المحلية وتراجع القدرة الشرائية: أدى النزوح الواسع وتدمير مصادر الدخل وتعطل قطاعات الإنتاج إلى إضعاف الطلب المحلي في مناطق عديدة. وهذا يقلل فرص نجاح المشروعات التي تعتمد على المستهلك السوداني، ويجعل المستثمر أكثر اعتمادًا على التصدير، بما يضيف أعباء لوجستية ومالية أخرى.

هجرة الكفاءات وتراجع القدرات الفنية والإدارية: تعتمد المشروعات الكبرى على مهندسين وفنيين وخبراء وإداريين مؤهلين، فضلًا عن مؤسسات محلية قادرة على تقديم الخدمات والصيانة. ويؤدي نزوح الكفاءات وتعطل المؤسسات التعليمية والمهنية إلى زيادة الاعتماد على العمالة والخبرات الأجنبية، ورفع تكاليف التشغيل.

ارتفاع تكاليف التأمين والنقل والإمداد: ترفع المخاطر الأمنية تكلفة التأمين على المنشآت والشحنات والعاملين، فيما يؤدي تعطل الطرق وتعدد نقاط السيطرة والجبايات غير الرسمية إلى زيادة تكاليف نقل المواد الخام والمعدات والمنتجات. وقد تلتهم هذه التكاليف جانبًا كبيرًا من العائد المتوقع للمشروع.

غياب الرؤية الاقتصادية طويلة الأجل: لا يكفي توقيع اتفاقيات استثمارية متفرقة إذا لم تندرج ضمن سياسة اقتصادية واضحة تحدد أولويات الدولة، وتضمن استقرار التشريعات، وتربط استغلال الموارد بالتنمية والإنتاج. ويجعل غياب هذه الرؤية المستثمر عاجزًا عن بناء خطط طويلة الأجل على أسس مستقرة.

↑
Exit mobile version