فماذا لو قرأنا هذا القرآن لا بعين حرفٍ ساكن، إنما ببصيرة قلبٍ منفسح؟ وماذا لو أنصتنا إلى كل كلمة منه، قبل أن تحاصرها عقولنا بما ألفت من حدود الأشياء؟.
انتبهوا.. فالمتكلّم هنا هو الله؛ ومتى كان المتكلّم هو الخالق، فأيُّ شيءٍ يعجزه سبحانه؟
عمومًا، فإنّ «لو» تلك لم تأتِ لتعجيز الخيال، وليست افتراضًا يلوذ بالمستحيل، إنما هي في الحقيقة نافذة تفضي بنا إلى ما وراء المألوف؛ حيث الجبال التي نحسبها عصيّة يمكن أن تُسيَّر، والأرض التي نظنّها صلبة يمكن أن تُقطَّع، والأجداث التي أطبق عليها الصمت يمكن أن تنطق.
أيُّ سرٍّ في هذه الآية العجيبة التي تستنطق الرفات، وتحمل الجبال على الرحيل، وتعيد ترتيب ما استقرّ في أوهامنا على هيئة مستحيل؟
لكن تُرى كيف نصبر على خبرٍ لم نُحِطْ به خُبُرًا كهذا؟
رغم أنّ الآية ذاتها لم تتركنا طويلًا أمام دهشة الاحتمال، بل ردّتنا مباشرة إلى أصل الأشياء كلّها، بقولها: ﴿بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾.
وبالتالي لعلّنا، ونحن نقرأ، نحتاج إلى أن نخلع عن أعيننا وَثَنَ الظواهر؛ فليس كلّ ساكنٍ ساكنًا، ولا كلّ راسخٍ باقيًا، ولا كلّ ما استعصى على إدراكنا هو باطل أو ممتنع في حقّ الله.
إذ ما حسبناه جمودًا كان جريانًا، وما توهّمناه ثباتًا كان عبورًا، وما ظننّاه نهايةً ربما كان بدايةً أخرى لا زلنا إلى الآن لا نراها.
وهكذا قد تكون جبال أزماتنا، وعروش استبدادنا، ومتاريس تاريخنا، وحروبنا المتطاولة، أقلَّ رسوخًا مما توحي به صورتُها في أذهاننا؛ وقد تجري في باطن السنن أقدارٌ لا تراها دائمًا الأبصار، حتى إذا جاء أوانُها لم يبقَ من صلابةٍ نتوهّمها فيها شيء.
المهمّ، فإنّ للعبور عينًا أخرى، وللرؤية أرزاقًا مخبوءة لا تتساوى عندها الأفهام.
فكما تتوزّع الأقوات، وتُقدَّر الأنفاس، تتفاوت البصائر في أرزاق الفتح؛ ولعلّ سرّ ذلك كله يكمن في قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾.
إذ لم يكن الفهم هنا ثمرةَ جدل، ولا حصيلةَ تراكم معلومات، إنما هي نفحةٌ من الفتّاح العليم، يؤتيها من يشاء، فتنكشف له من المعاني جهةٌ أخري كانت محجوبةً عن غيره تمامًا.
على أيّة حال، فإنّ العبرة على الدوام ليست في مقدار ما نملك من قدرة على الكلام، إنما بما يفتحه هو لنا من أبواب إلى الفهم؛ فكم من قارئٍ استوفى الحروف ولم يلامس سرَّها، وكم من قلبٍ ألقى السمع فأبصر ما وراء العبارة.
ولعلّ في وعد تجديد الدين على رأس كلّ مائة عام إشارةً إلى أنّ الغبار العالق بالدين لا ينبغي أن يصبح هو دينًا، وأنّ المعاني لا تموت لمجرد أنّ شروحها شاخت، وأنّ في كلّ عصر حاجةً إلى من يردّ البصيرة إلى منابعها الأولى، ويكشف للناس ما تراكم على المرايا من غبار التاريخ.
فالقرآن لا تنقضي عجائبه أبدًا، ولا تستنفد أسرارَه قراءة، ولا يُغلق بابُه عند آخر تفسير؛ إنه كتابٌ يتجدّد في وعي الإنسان، كلّما تجدّدت فيه أهليةُ الإصغاء.
وليس معنى ذلك أن نُحمّل الآيات ما لا تحتمل، لكن أن ندرك في ذات الوقت أنّ حدود فهمنا ليست هي حدودًا لكلام الله، وأنّ ما لم نُؤْتَ مفاتيحَه لا يعني أنه بلا أبواب.
وكأنما يقال لنا، يا أيها الإنسان، لا تستعجل الحكم على الجبال من هيئة جمودها، ولا على الأرض من صلابة أديمها، ولا على الموتى من صمت قبورهم.
ففي الكون كلامٌ لا نسمعه، وجريانٌ لا نراه، وأبوابٌ لا تُفتح بمفاتيح الحواس وحدها.
بيد أنه ربما كان السؤال الأعمق ليس هو: ماذا لو سُيِّرت الجبال بالقرآن ولا: ماذا لو كُلِّم به الموتى؟ بل: ماذا لو اتّسعت بصيرتنا حتى نرى في كلماته ما لم نكن نراه؟ فالأمر كلُّه لله، والكتاب لا يزال يفتح في الوجود نوافذ لم نبلغها، حتى يلقى الإنسان ربَّه وقد تعلّم أن يسمع بقلبه، وأن يرى بما وراء عينيه، وأن يكون، كلّما ألقى السمع، شهيدًا على شيءٍ ومعنًى هو لا محالة مفاجئ وجديد.