تحديات تهدد بانهيار التعليم الحكومي في السودان

مشاوير - تقرير : إشراقة علي

في صبيحة السبت المشؤوم الموافق الـ15 من أبريل عام 2023، لم تتوقع ميادة الصادق (12 سنة)، أنه آخر يوم لها في مدرستها، وكعادتها توقظ والدتها باكراً لتساعدها في تحضير زيها المدرسي وحقيبتها ومراجعة بعض الدروس، إذ كانت تحلم أن تصبح مهندسة كوالدتها، لكن وعلى نحو مفاجئ لم يعد ذلك الصباح موجوداً، وحقيبتها تبدلت حالها وأصبحت خالية من الكتب والدفاتر، لتحمل بداخلها قليلاً من الملابس من دون ترتيب، رعباً من دوي المدافع والانفجارات والقصف المدفعي الذي ملأ سماء العاصمة الخرطوم بأعمدة الدخان المتصاعدة إيذاناً ببداية حرب بين الجيش وقوات “الدعم السريع”، ليكون مصيرها غرفة صغيرة بإحدى مدارس النزوح بمدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة التي فتحت أبوابها لتستقبل الفارين من سكان الخرطوم، مما بدد أحلامها بعدما باتت بلا مدرسة، بل أحياناً تمسك بالقلم لترسم على كفها أشكالاً صامتة تفسر ضياع مستقبلها.

قصة ميادة مجرد واقعة من ملايين القصص التي خلفتها الحرب في السودان، حيث تتلاشى أمام أعين الأطفال مظاهر الحياة الطبيعية، وفي مقدمها التعليم.

لم تتوقف الكارثة التي ألمت بالتعليم عند دمار المدارس وتوقف الرواتب، وإنما تجاوزتها إلى حرمان جيل بأكمله من أبسط حقوقه وسط غياب شبه تام لأي تدخل أو خطة إنقاذ عاجلة، فالمعلمون أنفسهم في حال تشظٍّ بين نازح يعيش على المساعدات أو مقيم تحت القصف يكابد كل يوم من أجل البقاء.

أرقام صادمة

وثقت منظمات الأمم المتحدة انهيار التعليم في السودان، وأطلقت مجموعة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة تحذيراً باكراً في أكتوبر عام 2023، أكدت خلاله أن هذا البلد بات على شفا أسوأ أزمة تعليمية في العالم، إذ بلغ عدد الأطفال خارج مقاعد الدراسة نحو 19 مليون طفل من بينهم سبعة ملايين كانوا خارج المدرسة أساساً قبل الحرب نتيجة الفقر.

في حين، أصدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف”، في سبتمبر عام 2024، بياناً أوضحت خلاله مأساة حرمان النصف الأكبر من الأطفال من التعليم، إذ ظل 17 مليون طفل في سن الدراسة خارج أسوار المدارس مع بقاء 90 في المئة من المدارس مغلقة تماماً في غالب الولايات بسبب تحولها مراكز للإيواء وثكنات عسكرية، بينما ظلت أخرى مفتوحة في نطاقات ضيقة.

في المقابل، أشارت منظمة “أنقذوا الطفولة” في تقريرها الصادر في الـ22 من يناير الماضي، إلى أن ملايين الأطفال فقدوا نحو 500 يوم من التعليم المستمر في واحدة من أطول موجات إغلاق المدارس عالمياً متجاوزة خسائر جائحة كورونا، مؤكدة أن أكثر من ثمانية ملايين طفل لم يعودوا يرتادون المدارس نهائياً، وأن 55 في المئة من تلك المدارس باتت مغلقة.

كذلك، لفتت الشراكة العالمية من أجل التعليم الصادر في فبراير عام 2026، إلى أن آلاف المدارس تحولت إلى ثكنات عسكرية وقواعد للعمليات أو مراكز إيواء، ففي إقليم دارفور لم يتبق مفتوحاً سوى ثلاثة في المئة فقط من المدارس.

أوضاع كارثية

في مقابل الأرقام الأممية قدمت لجنة المعلمين السودانيين قراءة ميدانية ونقدية دقيقة تعكس الواقع الكارثي للعملية التعليمية، وواقع المعلمين على حد سواء مسلطة الضوء على تفاصيل غائبة في التقارير الصادرة.

في السياق قال المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين سامي الباقر إنه “منذ اندلاع الحرب أصبحت أوضاع المعلمين كارثية، مما أدى إلى انعكاسات سلبية اقتصادياً واجتماعياً، مما أجبر المئات منهم على البحث عن مهن بديلة هامشية تعد بعيدة من مهنة التدريس، وأسهمت كذلك في تفريغ المدارس الحكومية المتبقية من كوادرها التعليمية المؤهلة”.

أضاف الباقر “هذه الأوضاع جعلت نحو 350 معلماً وإدارياً في قطاع التعليم يعانون مصيراً مجهولاً بعد توقف رواتبهم الشهرية، إذ من بينهم مرضى لا يجدون كلفة العلاج، ومعلمات أرامل يعلن أسراً، في حين يواجهون جميعاً عمليات النزوح القسري من دون رواتب، لا سيما أن المعلم حالياً يعيش تحت خط الفقر المدقع، لجهة أن هناك أكثر من 50 في المئة لم يحصلوا على رواتبهم الثابتة”، وتابع “حرمان المعلمين من مستحقاتهم مع ضعفها لا يغطي سوى ثلاثة في المئة من حاجات أسرهم الشهرية، ما يكشف عن عمق الأزمة التي يعيشها المعلم السوداني، فضلاً عن عجز الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المنظومة التعليمية في البلاد، وتنفيذ قراراتها وتوجيهاتها الرسمية المتعلقة بحقوق المعلمين”.

وأشار الباقر إلى أنه “على رغم قرارات وتأكيدات السلطات العليا في البلاد، فإن استحقاقات المعلمين ما زالت متوقفة، وأخرى لم تنفذ بصورة كاملة في عدد من الولايات”.

مبيناً أن “وصول الأمر إلى طلب توجيهات جديدة لتنفيذ قرارات سابقة يكشف عن خلل في إدارة الدولة وعدم التنسيق مع مؤسساتها، مما يطرح تساؤلاً ملحاً عن الجهة التي تعطل تنفيذ هذه القرارات ومن يحاسبها؟

ونبه إلى أن “هذه الأزمة لا تقف عند حدود المعلم، بل إلى استمرار المدارس وجودة التعليم، بينما تدفع المعلمين للبحث عن مصادر دخل بديلة في وقت تتسع فيه دائرة التسرب المدرسي والفاقد التعليمي، ليظل أكثر من ثمانية ملايين طفل خارج المدرسة”.

منوهاً بأن “لجنة المعلمين السودانيين تطالب برفع الحد الأدنى للأجور وصرف جميع المتأخرات والاستحقاقات، مع ضمان انتظام المرتبات، ومعالجة التفاوت بين الولايات”، ونوه بأن استمرار تدهور التعليم الحكومي ليس منفصلاً عن فشل السياسات الحكومية في توفير التمويل اللازم لهذا القطاع المنكوب، وحماية المدارس، والوفاء بالالتزامات المالية التي أقرتها الدولة نفسها، متسائلاً “كيف يمكن الحديث عن إصلاح التعليم، والمعلم غير قادر على توفير حاجات أسرته، إضافة إلى أن غالبية المدارس خارج الخدمة وحرمان ملايين الأطفال من حقهم في التعليم”.

وبين المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين أن “رؤية اللجنة واضحة بينما تطالب باستعادة الدولة مسؤوليتها الكاملة للتعليم العام، وتخصيص 20 في المئة من الموازنة العامة للتعليم، وضمان مجانية التعليم، وإصلاح الهيكل الراتبي، وانتظام صرف المرتبات، وإعادة تأهيل المدارس ومعالجة التسرب، ودعم الأطفال المتأثرين بالحرب والنزوح”.

وحذر من استمرار النهج الحالي، ما يهدد بتراجع التعليم الحكومي لمصلحة التعليم الخاص، وتحويل التعليم الجيد من حق لكل طفل إلى امتياز لمن يستطيع دفع كلفته، “لذلك فإن إنقاذ التعليم يبدأ بإنقاذ المعلم، وتحمل الدولة مسؤوليتها كاملة تجاه هذا القطاع”.

↑
Exit mobile version