في المكتبة الرئيسية بفيينا، مساء أمس الخميس 5 نوفمبر، دعا محاور الأمسية مايكل فانيزاده مرافي مصطفى إلى قراءة مقاطع اختارها لها من كتاب والدتها. فتحت الصفحة، وانطلق صوتها بالأم ثلاثةً وثلاثين عاماً إلى الوراء، إلى ليلة الرحيل وأزيز طائرة الوداع المرعب. وعلى المنصّة، جلست الكاتبة د.إشراقة مصطفى حامد تصغي إلى ذاكرتها بصوت ابنتها، حتى تقاطرت دموعها. لحظة تداخلت فيها الحكاية الشخصية مع الذاكرة، وعادت تفاصيل الرحيل بكل ما تحمله من وجع وحنين.
كانت تلك اللحظة مدخلاً لأمسية تقديم كتاب (الدانوب يعرفني؛ من السودان إلى فيينا: رحلتي في طريق العصيان)، التي نظّمها المعهد النمساوي للتعاون الدولي (VIDC)، بالتعاون مع المكتبة الرئيسية في فيينا وجمعية (مندي) لثقافة السلام وإدارة التنوّع، احتفاءً بصدور النسخة الألمانية من الكتاب.
وأدار الحوار مايكل فانيزاده، من مركز الحوار العالمي التابع للمعهد، بحضور تجاوز 150 شخصاً، اكتظت بهم قاعة المكتبة من المهتمين بالأدب والثقافة والحوار بين اللغات، وتفاعلوا مع تجربة الكاتبة وقراءات الكتاب.
واستعادت إشراقة أثر قراءة ابنتها، وما أعادته إليها من مشهد الرحيل وأزيز الطائرة الذي ظل عالقاً في ذاكرتها. وامتد تفاعل الجمهور إلى ما بعد الحوار؛ إذ نفدت نسخ الكتاب، واصطف القراء طويلاً للحصول على توقيعها، في مشهد وصفته بأنه مفرح، وشبّهت امتداد الصف بالنيل. وكتبت عقب الأمسية: “الدانوب كان يعرفني.. بالناس ومع الناس”.
وتخلّلت الأمسية قراءات أدبية، إلى جانب الحوار والمداخلات والأسئلة التي شارك بها الحضور، وقرأت إشراقة نصاً نثرياً بالعربية، في إتاحة للنص بلغته الأصلية إلى جانب النسخة الألمانية، بما أضفى على اللقاء بعداً آخر من التواصل بين اللغات والثقافات.
وقبيل ختام الحوار، طُرح عليها سؤال: ماذا تقول إشراقة الآن لإشراقة التي جاءت قبل 33 سنة؟ وهو السؤال نفسه الذي سبق أن طرحه عليها أحد أصدقائها، ولم ترَ في تكراره مصادفة. تقول إنها أجابت بالكثير في دقيقة واحدة؛ مستعيدةً المسافة بين المرأة التي غادرت السودان وتلك التي وقفت في فيينا، بعد سنوات من التجارب والتحولات والأسئلة.
ما يحمله الكتاب.
صدر (الدانوب يعرفني) باللغة العربية عام 2016 عن دار (الآن ناشرون وموزعون) في الأردن، ويحكي رحلة إشراقة من السودان إلى النمسا، بعد مغادرتها البلاد عقب نحو ثلاث سنوات من انقلاب عام 1989 وإكمالها دراستها الجامعية.
