ولكي يقضي الله أمرًا كان مفعولًا بالحتم والضرورة، فإنه سبحانه يعرض نموذجًا آخر يبدو محفّزًا لمثل هذه المواجهات التي رأيناها هنا رأي العين، في حربٍ ظنّها البعض معركة ساعات ثم أيامٍ وأسابيع.
فالأقدار، بطبيعة حالها، لا تصنعها الصدف، إنما هي في الحقيقة أصدق تُرجمانٍ لأقضيةٍ مكتوبةٍ وموقوتة، أقضيةٍ تظل عالقةً بلوح الأزل لا تتقدم أجلَها الموقوت، ولا تتأخر عن ميقاتها المضروب.
لا يحول بينها وبين التنزّل على أرض الواقع سوى حجاب واحد، دقيق وسميك، هو «حجاب الوقت»، الذي يؤكد في النهاية أن لكل أجلٍ كتابًا.
هي آية لا تنفي العبث عن نشأة الإنسان الأولى، لكنها توقظ فينا معنى أعمق يجعل هذا الوجود، على اتساع محنته، غير متروكٍ غفلاً للمصادفات العمياء.
وبالطبع ليس معنى ذلك أن الحرب قدرٌ يُعفى به القتلة من جرائمهم، أو أن الدمار يصبح فضيلةً لمجرد وقوعه؛ وبالتالي فإن التاريخ، حتى في وقتٍ يختلط فيه الظلم بالمصائر، لا يفقد قابليته لأن يلد من قلب المصائب ذاتها وعيًا لم يكن ممكنًا قبلها، وهذا مما رأيته مجسداً هنا في هذه الديار.
وللحقيقة، لم تكن المأساة السودانية مجرد مظهرٍ لتداعي سلطة أو مقدمةٍ لانهيار دولة، إنما كانت صورةً لانكشاف زمنٍ بكامله؛ زمنٍ استنفد رجاله، وأفلست أسئلته، وأطال الإقامة في أوهامه، حتى صار رحيله شرطًا لكي يتسع المكان لغيره.
هكذا يدخلنا التاريخ أحيانًا في تيهٍ يشبه تيه بني إسرائيل؛ لا لأن بوصلة الجغرافيا قد ضاعت، لكن لأن الطريق إلى المستقبل لم يعد ممكنًا بذات الأقدام القديمة.
وفي مفازات مثل هذا التيه تتغير الأجيال، وتُختبر المعاني، وتولد في الخيام البعيدة أسئلةٌ لم تجد لها القصور إجابة.
ثمّة حجاب رقيق بين ما نريده وما نكونه، بين ما تدبّره عقولنا وما تنتهي إليه مقاديرنا، لنلمس بأيدينا جانبًا من تجليات قوله تعالى:
فكم من قلبٍ أُغلق عليه باب الرشد وهو يظن أنه يفتح أبواب النصر، وكم من بصيرةٍ استبدّ بها الوهم حتى لم تعد ترى في المرآة سوى صورتها المتوهمة.
المهم، ليست الحروب دائمًا فائض قوة؛ فقد تكون أحيانًا آخر تمظهرٍ للعجز عن رؤية الحقيقة.
فعندما يُحجب العقل عن مآلات فعله، يصبح الإنسان أسير خطاه، يمضي إلى الهاوية وهو يحسب أنه يمضي إلى الغلبة.
ولعل من أعجب أسرار التاريخ أن تتلاقى الأسباب في لحظةٍ لا يملك أحد أطرافها تفسيرًا واضحًا لاجتماعها هكذا دون مقدمات، كما حدث في قصة معركة بدر التي أشارت إليها الآية، عندما وقف الجمعان على ضفتين من المكان، ولم يكن أحدهما يعلم أن وراء تلاقيهما أمرًا أبعد من حسابات البشر العادية:
هنا يكمن بالضبط سر حجاب الوقت؛ أن تقع الحادثة قبل أن يُماط لثامها، وأن يعبر الناس من بابٍ لا يعرفون ما وراءه، وأن يكون بين اللحظة وحكمتها عمرٌ كامل من الانتظار.
لكن حجاب الوقت ليس بالضرورة مبررًا أو دعوةً إلى تعطيل الإرادة، ولا إلى انتظار المعجزات على أرصفة العجز؛ فالأسباب أمانة، والعدل واجب، ومقاومة الظلم جزء من مسؤولية الإنسان عن العالم الذي يعيش فيه.
ولذلك المطلوب هو أن نعمل دون ادّعاء الإحاطة، ونقاوم دون أن نستسلم لليأس، ونحزن دون أن نمنح الفاجعة حق مصادرة المستقبل.
على أية حال، فبين أقدار الله وما يراه البشر خيط رفيع ومسافة رقيقة، اسمها الوقت؛ نقطعها مثقلين بالأسئلة، ونحن لا نعرف من وجوه الحكمة إلا ما تسمح به لحظتنا.
ولعل أعظم ما ينبغي أن نتعلمه في مثل هذا التيه، ألا نخلط بين حجاب الرؤية وغياب الحكمة، وألا نخلط بين التسليم لله والاستسلام للخراب.
إذ قد يتأخر رفع الستار قليلًا أو طويلًا، لكن ذلك لا ينبغي أن يمنح الظلام حق الإقامة ولو في أذهاننا فقط، إلى الأبد.