يحاول السودان و يعافر للوصول للديمقراطية و رصيده في ذلك خمسة و سبعون عاماً.. و عينه على تجارب عالمية ناجحة (فرنسا) و تجارب افريقية حديثة ممثلة في تجربتي جنوب افريقيا و رواندا التي خرجت من تحت الركام..
خياران لا ثالث لهما أمام السودان للخروج من هذا الصراع الدموي و الوصول لاهدافه المؤجلة لديمقراطية نظيفة (لا فيها شق ولا طق) اما الحرب أو السلام يباسة الرأس والبين بين ليست من الصالح.
يمر السودان بحرب ضروس نارها تأكل الاخضر و اليابس و كل ما تجده أمامها و يعيش عمليات كر وفر،و استنزاف وعصابات، وانكسر الوطن كقطعة جزرة يتعين علينا عملية البناء والسلام، انطلاقاً من شعارات ثورة ديسمبر حرية، سلام وعدالة، تخرج الحرية والعدالة من رحم الديمقراطية التي قُتلت خديج، وانسد الأفق وما كان يفتقده الفكر و الممارسة هو الممارسة ذاتها، ومن ثم انفجرت الأزمة المتبلورة في صراع السلطة والثروة ، في ظل اقتصاد كسيح أعمى سلفاً، أدى لتمديد أمد القتال و إلى أزمة اقتصادية، وأزمات أخريات تلد كل واحدة الأخرى كفكرة أيهما كان أولاً البيضة ام الدجاجة.
عندما تقع الحرب تلهث الدبلوماسية إلى الحل، والدبلوماسية الحقة الصدام آخر خياراتها، والدبلوماسية السودانية في حالة حرجة، والشاهد عليها المنصات الرقمية في تبادل ما يصرح به القادة ، تصريحات، خطيرة ومهزلة وعار على جبينهم ، بما فيه بأن الجيش لن يسلم السلطة للمدنيين حتى فترة انتقالية تفضي إلى انتخابات عامة ، قد تنجح بالإرادة وتتجنب شر الوقوف في المنتصف على درك الفقر والبطالة والمرض،من يفكر في انتفاضة دون الانهيار أعمى البصيرة ومن يفكر في إنهيار دون نهوض ساذج.
كان السودان حضوراً في الثلاثين من أبريل الماضي بمنتدى التعاون الاقتصادي للدول العربية ودول شرق آسيا الوسطى واذربيجان، كان خطاب السودان متمحورا حول مليشيا الدعم السريع وما ارتكبته من جرائم حرب، والعالم كله يدرك ذلك.. كان على المشاركين التركيز على عرض ما نتمتع به من رغبة في الأعمار والاستفادة من موقع البلاد ومن مياهها النيلية والإقليمية و تأثرنا كغيرنا بتغير المناخ من جفاف وزيادة معدلات الأمطار، كنت أتمنى لو تناقش فكرة فتح فرص الاستثمار الأجنبي مع الالتزام بتذليل الصعاب وسد الثغرات، والمطالبة بإصلاح اقتصادي علاجي كالمساعدة في سداد رواتب العاملين التي انقطعت عاما كاملا والمطالبة بفتح سوق العمل أمام الشباب السوداني ومنح دراسية وأشياء من هذا القبيل.. حتى تخفف حدة الوضع وليست تحصيل حاصل وتنظير بدلا من التحدث بلغة بعيدا عن الواقع الماثل المعيش امام الجميع و يدركه القاصي البعيد قبل القريب..
الأحزاب السياسية منذ نشأتها تسعى للسلطة، فهى قوى سياسية مجنونة ومفتونة بالسلطة حالمة بالحصول على مقعد في البرلمان ، ولن اقول بأن الأحزاب السياسية متحمسة للسلطة لانها أنشئت لهذا الغرض، وكأنما اقول إن صاحب السوبرماركت متحمس للبيع فإن لم يكن غرضه البيع لماذا يعرض بضائعه، لكن بعض الأحزاب لا تحمل في جعبتها رؤية واضحة لحل الأزمة يمكن تنفيذها عملياً اجمل في ذلك الأحزاب قديمها و حديثها، وتصارعت القوى السياسية فيما بينها وضيقت على نفسها الساحة.. و الصراعات طالت الاحزاب من داخلها وتقسمت تقسما اميبيناً، واستبد الجنرالات أكثر وتسلل الخلاف والملل صفوفهم واتسعت رقعة الحرب وخرج السواد الأعظم من المستشفيات عن الخدمة، وانقطعت الخدمات الأساسية الواهنة أساساً ، وإتاحة الزي العسكري للدعم السريع في المتاجر ، من ما زاد طين بلة النهب الداخلي وحرق القرى بما فيها تشرد الآلاف إلى مناطق قد تكون آمنة وهذا وارد في حالة السيولة الأمنية في بلد مفتوح، تتقاطع فيه المصالح وتدس عبر الوكالة فيه الأجندات.
تجمع القوى المدنية تقدم يواجه تحديات جسام ، وملاحقات قضائية، أن سولت لنا أنفسنا بنعتهم بالعمالة، يجب أن يدرك الوضع بذكاء، نحن في أمس الحاجة إلى العقول الموجودة في (تقدم) تكنوقراط بكل ما تحمله الكلمة من معنى وغيرهم كثر لم تتح لهم الفرصة؛ فالساحة محتكرة على قلة تمارس الغطرسة الفارغة..
البوت يضغط لحسم المسألة في الميدان، لكن من الواضح أن أعداد هؤلاء كبيرة ولا أحد يعلم بها الا الرب، لذا صعب علي المؤسسة العسكرية الرؤية، ارخت قيادات عليا في الجيش القاش للدعم السريع وتركت البساط أحمديا لها سرحت ومرحت ليخرج من ذات المكان هؤلاء الشياطين.
لكن الحوار ضرورة تفرض نفسها، فوجود شخص واحد يحمل السلاح يشكل خطراً، لو كان كلاشنيكوف، فالحروب تقدمت والأمم أيضاً كالوسائل التي استخدمتها أوكرانيا حيث شنت هجمات إلكترونية محاولة اختراق النظام الانتخابي الروسي ، في حين أن موسكو كانت محصنة بالدروع الإلكترونية تصدت للهجوم ، وأياً كانت الأدوات المستخدمة عظمت أو صغرت فهى تعتبر ادوات هدامة.
إن التخوين والإقصاء،و التمكين، والمحاصصة والمراوغة والمزايدة وغياب الشفافية أوصلتنا إلى حافة الهاوية.
لم ييأس الشعب السوداني و لم يمل الانتظار منذ العام 1956 سعيا وراء تحقيق حلمه المشروع في الديمقراطية حتى اليوم ، والعالم لا يهتم، وتشغله حاجته من السابق إلى البيت الأبيض، و معضلة الحوثيين في البحر الأحمر،وحضور الصين وأوروبا في المنطقة وحرب غزة ، واستشراء طهران عبر اذرعها وقد تشتد المواجهة إذا طرأت متغيرات، ومحاولة طهران إنشاء قاعدة بحرية عسكرية في البحر الأحمر في مياه السودان يعتبر استغلالا سياسيا مقابل مقاتلات دون طيار ( مهاجرة).. ولأن القوانين الدولية توضع والظروف المحلية تخترق،يتوجب أن نوقف الدم والدموع عبر طرق محلية وهي الإدارات الأهلية بما يشوبها من رتابة لكنها توفي بالغرض.
قد اجرم الكثيرون في حق أنفسهم و في حق الشعب السوداني وقت أن سكت علي هكذا ممارسات، وأصبحت دولة الأفراد لا المؤسسات،حتى افرغت الدولة من محتواها إلى مرحلة اللا دولة، ظل السؤال علي طاولة مهجورة ما هي الآليات للتحول الديمقراطي ، وهي الآليات السهلة الصعبة، أولها التنازلات والمصالحة الوطنية، ومجانية التعليم الحر العلماني وتفعيل الرقابة على المواد وإضافة قيمة مضافة على المنتجات الحيوية كالصمغ العربي والتبلدي والمانجو التي تجلب عملة صعبة، والكف عن التنظير فالأرض حبلى يجب الاستفادة منها أو نتركها ليتصارع عليها الجبابرة الصين وأوروبا و روسيا التي كادت تسيطر على العالم وتغير موازين القوى السياسية منذ ازمان غابرة.
واشنطن تفقد زمام الأمور مع العلم بأنها لا تريد الحلول المستدامة في قضايا حساسة كالمناخ والإرهاب والبطالة والهجرة ،لهذا وجب العمل الجماعي بجد، قد قطع العالم مسافات بعيدة فطلب رحلة إلى كوكب المريخ اصبح الأمر أشبه برحلة من القاهرة إلى الرياض، ونحن مازلنا نقتل بعضنا البعض وقد عدنا إلى مرحلة الإنسان في حالة الطبيعة وساد قانون الغابة.
وخطاب الكراهية يدس في الدسم،سوف يكتب التاريخ الصفحات العتمة من تاريخنا، ويا للعار لكل من تدنست يده بدم الأبرياء وكان سببا في تعاسة الكثيرين ودمر حلم الوطن و حلم الشباب الصابر المتطلع لدولة تسود فيها الحرية و السلام و العدالةو ينعم بحلمه المشروع في تطبيق الديمقراطية .