قد يستغرب الناس الموقف المرتبك للأحزاب السياسية من حرب 15 أبريل 2023، حيث جمدت نشاطها السياسي طوعاً واكتفت بظهور إعلامي خجول، يندد بالحرب وتكلفتها الانسانية دون تحريك ساكن، فلا تتعجب عزيزي من خبر: فرض حالة الطوارئ بالأحزاب اليسارية، والسماح للإعلام برؤية الخلل التنظيمي باحزاب الوسط ويسار ويمين الوسط، هذه مجرد دراما رخيصة لإخراج موقفها المخزي.
نشأت قناعة لدى جزء كبير من المجتمع السياسي (الأحزاب) بأن المجتمع الدولي بقيادة امريكا يريد “مشروع صيانة النظام الحالي”، بدلاً من اتاحة الفرصة للسودانيين لتشكيل نظام سياسي ديمقراطي، وهذا الموقف نتج بعد الصفقات البراغماتية التي أجراها ومفادها للتحول التدريجي لنظام دولة مدنية دينية (ثيوقراطية ديمقراطية)، وبالفعل أصدر الإتحاد الأوروبي خارطة طريق (Khartoum Process) بنوفمبر 2014، كثمرة لجهود (برينستون ليمان- المبعوث الأمريكي الخاص للسودان وجنوب السودان من 2011 إلى 2013).
لقد شكلت حالة الاستقطاب الحاد داخل اروقة النظام بالفترة 1998-1999، انتكاسة بالعمل السياسي في السودان، حيث فضل جزء ليس بالهين ومؤثر جداً العودة لما قبل 1916، حيث دارفور الحالية واجزاء كبيرة من كردفان، دولة ذات سيادة، بينما تحظى ولايات الشرق الثلاث وجزء من الاقليم الشمالي بذات الوضعية، وقد حسم إعلان برلين- مايو 1992، مسألة اقاليم جنوب السودان.
كل تلك المتغيرات إضافة لتجربة احزاب التوالي في إنهاء مسرحية (التجمع الوطنى الديمقراطي) والعودة لبيت الطاعة بالعام 2005 (برلمان الانفصال) بعد أن أعطت للنظام بأسمرا- يونيو 1995 (مؤتمر القضايا المصيرية) شرعية استخدام المليشيات دون تحرج المجتمع الدولي من ادانة ذلك، وخروجها مرة اخرى لامتصاص غضب الشارع، وإضاعة أي فرصة له في تكوين قيادة سياسية ناضجة، لا سيما بموجات ربيع الشرق الاوسط، ونجاحها الباهر في تسفيه تطلعات السودانيين، مما جعلها مؤهلة لديه للعب دور متعاظم بثورة ديسمبر 2018.
تمت اعادة تعريف مسببات حرب التوالي، على أنها رفض للاتفاق الاطارى، وهذا جزء من الحقيقة، وتم التستر على عبث اخوان مسيلمة في رغبتهم بتصفية خصومتهم السياسية التى وصلت ذروتها في العام 1999، ما يسمى بالمفاصلة العرقية للتنظيم والنظام، وأشعلوا حرب أبريل 2023، لعودة التنظيم كقوة وازنة بالتفاعلات السياسية مرة اخرى، بعد ان جردتهم ثورة ديسمبر 2018 من هذه الوضعية، كما وصفها سيئ الذكر: أمين حسن عمر.
هذا التعريف لم يكن عفويا من أحزاب التوالي ، طالما روجت في 2019-2021، للنموذج السوداني (تسوية سياسية كبرى تهدف لمنح الشرعية لاخوان مسيلمة)، وتهدف من هذه الحملة الاعلامية لإقناع التنظيم: بأنها تمثل الوكيل المثالي له في تضليل الشعب، ونجحت لحد ما في اعادة تدوير معظم مراكز القوى للتنظيم بواجهات مدنية وعسكرية ومليشيات.. الخ، لكن ذلك رفع طموح التنظيم للعودة كفاحاً وظن أن ديسمبر قد غبرت أو قادر على مسحها تماماً.
لم تكن حرب التوالى- أبريل 2023، ظرفية مرتبطة بالتفاعلات التي قادت لإنقلاب أكتوبر 2021، كما يحاول البعض الترويج لها بسذاجة، كما روج من قبل للتسوية المعيبة (النموذج السوداني 2019-2021)، تحت افتراض ارتباط مصالح القوى المدنية بأحد أطراف الحرب وتقاربه التاريخي أو خضوعه المطلق للطرف الآخر ، وهذه مقاربة هشة فالحرب لا تعني السودانيين ومجتمعهم المدني في شئ بل هم ضحيتها، ولن يتحملون تكلفتها وسوف يحاسب إخوان مسيلمة وتواليهم عليها.
كثير من المراقبين للمشهد السياسي يعتقدون بأن أحزاب التوالي قادرة على خلق تسوية جديدة تنهي حرب التوالي ، من خلال التوسط بين ما تبقى من أركان نظام الـ30 يونيو 1989، وهذا التحيز منبعه التضليل الكبير للرأي العام بأن (Civil society groups)، قد باركت هذا المسعى، لكن بعد قليل من التدقيق في خارطة التأثير السياسي، نجد بأن ذلك لم يحدث مطلقاً، وأن الذين قاموا بهذا الدور عبارة عن واجهات تنتمي لمجموعات التوالي (حفلة تنكرية).
مما يفتح أسئلة جوهرية:
– هل احزاب التوالي قادرة من الانعتاق من بيعة اخوان مسيلمة بالعام 1999؟
– هل اعادة تدوير جزء من نظام الـ 30 يونيو 1989 يضمن الاستقرار للسودان على المديين المتوسط والبعيد؟.
– هل سوف تقبل (Civil society groups) بالتسوية المعيبة مرة اخرى؟
– هل يستطيع اخوان مسيلمة تضليل الرأي العام لوقت أبعد من الآن؟
– هل سوف تنتهي حرب التوالي باعادة تدوير نظام الـ 30 من يونيو 1989؟.
– هل تستطيع أحزاب التوالي إتخاذ موقف غير الحالي من حرب 2023؟.
– هل هناك فرصة لتأسيس نظام ديمقراطي جديد بالسودان؟
(*) باحث بمركز السياسات العامة- السودان
