أهل جزيرة توتي معتقلون تحت رحمة الجنجويد ولا مغيث

سمية المطبعجي (*)

 

إياك والإقتراب من النيل طلباً للماء وإلا تعرضت للضرب أو التعتقال! أما الدواء والعلاج فيخضع لما تقرره السلطة المحاصِرة التابعة للدعم السريع التي تورد الاحتياجات الطبية متى وكيف ما ترى للمركز الصحي الوحيد. #جزيرة_ توتي_المحاصرة لا زالت تعيش جوعاً وعطشاً وإظلاماً وعزلة عن العالم في شبه تنقطاع تام لشبكة الإتصالات لما يقرب من العام بأمر سلطة الأمر الواقع. يوم بعد آخر تتزايد محنة إنسان الجزيرة المحتلة قتلاً واعتقالاً وحتى اغتصاباً وحرماناً من العلاج، أما الأكل والشرب فتلك كارثة أخرى.  

حوالي الثلاثين ألفاً من سكان #جزيرة_توتي التي تحيطها مياه النيل من كل جوانبها يحدقون عطشى تجاه النهر العظيم من على البعد، انقطاعا تاما للماء والكهرباء تعاني منه الجزيرة لما يقرب من العام منذ السيطرة عليها من قبل #قوات_الدعم_السريع التي أغلقت المدخل والمخرج الوحيد للجزيرة المتمثل في #كوبري_توتي الذي يربط الجزيرة بوسط الخرطوم . #قوات_الدعم_السريع التي فرضت سلطة الأمر الواقع مشكلة مملكة على رأسها (العمد) ضمن العسكريين من قواتها، تمنع حركة سكان الجزيرة دخولاً وخروجاً فارضين أتاوات وتصاديق مدفوعة يحددها اولئك العمد في مبالغ قد تصل لأكثر من 100 ألف جنيه، محتكرة إدخال احتياجات الجزيرة من مؤن وأغذية ووقود وحتى الدواء. 

المياه أصبحت سلعة عزت على أهل الجزيرة المحاطة بالنيل مع منع السكان من الوصول الى ضفافه طلباً لزجاجة ماء، في ظل الانقطاع التام للكهرباء لتصبح الآبار هي المورد الوحيد للماء والتي تصبح بلا جدوى حال نظرنا لاعتمادها على الجاز والجازولين الذي يتوقف إدخاله على قوات الدعم السريع بمقدار يكفي فقط ليوم أو يومين لتشغيل محطة المياه ووابورات الآبار. ألواح الطاقة الشمسية حلاً لجأ إليه بعض من له القدرة من السكان في منازلهم، لكنها أصبحت مصدراً لمعاناتهم بإعتبارها هدفاً جعلت من بيوتهم مقصداً للصوص وعمليات النهب التي يشارك فيها أفراد من #الدعم_السريع، ليعيدوا تدوير بيع بعض تلك الألواح المنهوبة إلى الأهالي الذين امتنع غالبيتهم عن شرائها باعتبارها مسروقة من أهاليهم. 

انقطاع الكهرباء أثر تلقائيا بالطبع على شبكات الإتصالات فباتت توتي جزيرة شبه معزولة عن العالم يعز التواصل منها وإليها إلا ما ندر. 

وفي مساحة وسط الجزيرة يقبع المركز الصحي الذي بات الوحدة الصحية الوحيدة التي تقدم الخدمات العلاجية المتواضعة للآلاف من سكان الجزيرة بما فيها الدواء الذي تتحكم #قوات_الدعم_السريع في استجلابه وتوفيره كيفما تريد، في حالة أصبح فيها العلاج شبه منعدم في مبنى يفتقر للكهرباء والمياه، ليلقى العشرات حتفهم من أصحاب الأمراض المزمنة والمصابين.

 محامو الطوارئ أوردوا في تقرير اكتوبر من العام الماضي وفاة ثلاثة أشخاص من بينهم طفلة جراء نقص الدواء، فيما جاء في تقارير وفاة طفلة بعد إصابتها برصاصة في البطن ومنع ذويها من إسعافها خارج الجزيرة، وما خفي أعظم في ظل ما تعيشه الجزيرة من حصار والفارق الزمني على تلك الأحداث ومع تزايد سوء الأوضاع التي وصلت ذروتها بعد حملة اعتقالات واسعة ومستمرة طالت قيادات الجزيرة وبعض الأهالي ابريل الماضي، في أماكن وظروف اعتقال غير معروفة، وذلك عقب حالة التنديد والغضب الذي أعقب حادثة #اغتصاب_فتاة_من_ قبل_أفراد_ الدعم_السريع ، ما أدى إلى احتكاك مع أحد قادة الدعم السريع وحارسه الذي أطلق النار على مجموعة من الأهالي فأصاب 7 منهم توفي واحد من بينهم. تعقدت الأمور بعد تلك الحادثة وتوسع نطاق الاعتقالات والتعديات حتى وصل الأمر لمحاولة منع التكايا من تقديم الخدمات. 

فالسكان المغلوبون على أمرهم المحاصرين والمعزولين عن العالم دون بواكي عليهم، لجأوا إلى إنشاء نظام (التكايا) في الأحياء لإمداد السكان بالطعام، وسط انعدام مصادر الرزق والمال ومنع دخول المواد التموينية والمؤن، فالدعم السريع هو سيد الموقف في إدخال السلع والبضائع وفق ما يحدد من أسعار ونوعية السلع. في بداية الحصار كانت هناك محاولات لإدخال السلع من مدينة بحري عبر (الفلوكات)، وعقب اشتداد الحصار أصبحت المهمة مستحيلة، حتى على اولئك التجار ممن حاولوا الحصول على إذن بإدخال السلع عبر الجسر مقابل رسوم عبور يحددها العمد بحسب اهوائهم، تراجعوا عن المهمة بعد تعرض بضائعهم ومحالهم التجارية لعمليات نهب أو اعتقالهم مع فرض الأتاوات الباهظة. 

أهل توتي أصبحوا غير آمنين من جوع أو خوف، فعقب صلاة العشاء تزداد المخاوف، بعد أن يركنوا داخل منازلهم المعتمة المظلمة في توقع لزائري الليل من المسلحين من مختلف الأعمار، وأن كانت تلك المنازل قد أصبحت خاوية على عروشها بعد تعرضها لأعمال سلب ونهب ممنهج عنوة تحت تهديد السلاح ،استهدفت في البداية السيارات والأموال والمقتنيات النفيسة ومن ثم شمل ابسطها فلم تسلم حتى أواني المطابخ. وكان مصير المقاومين والمعترضين إطلاق النار المباشر عليهم. تلك الغنائم المنهوبة في الغالب تجد طريقها إلى خارج الجزيرة عبر الجسر! ولعل الأهالي يقبعون داخل منازلهم الخاوية المظلمة تلك احتماءً من ما يتساقط من قذائف ورصاص من هنا وهناك، فالجزيرة تقع في مرمى نيران الجانبين المتحاربين متوسطة مدن العاصمة الثلاث. 

وفي تلك الظروف سكان الجزيرة التي تحاصرها عوامل إنعدام الحياة، محكومون بأن لا مجال للمغادرة، فقرار المغادرة لأهل #جزيرة_توتي المعروفين بتمسكهم بجزيرتهم حد الاستماتة،قرار قاسي، ومع ذلك توصل العديدون منهم إلى ذلك القرار الذي بدا تحقيقه مستحيلاً في البداية ولكنهم نافحوا حتى توصل بعضهم لإذن بالمغادرة فارين من جحيم ذاك السجن الكبير الذي انعدمت فيه أدنى صور المعاملة الإنسانية، وليقف خروجهم دليلاً على وصولهم حدا من الظلم وفقدان الأمل في حياة كريمة وقلوبهم معلقة بمن لايزالون وسط ذاك الجحيم ليرووا لنا ما عاشوه، علّ العالم يلتفت يوماً إلى مأساتهم.

(*) صحافية

Exit mobile version