أحزاب التوالي: الاحتلال الأمريكي المصري

منذر مصطفى (*)

 أرسل تجار العاصمة الخرطوم وفودا للترحيب بالغزو الانجليزي المصري في العام 1898، وقبل ذلك فعلوا مع حملة الدفتردار (الاحتلال العثماني المصري) 1820، مقابل البقاء على امتيازاتهم، والآن التاريخ يعيد العجلة مرة أخرى وها هم في القاهرة يرحبون بـ (الاحتلال الجديد).

 ليس جديداً ما يحدث الآن، فكل القوى العظمى بالعالم عبر الزمان كان لها نصيب في تغييب إرادة السودانيين بمساعدة سودانيين، بل تكاد سخرية الحال تجعل كل الفترات متطابقة لأنها تأتي بعد فترة ظلم وبطش يقودها بعضنا ضد الآخر مسنودين بالسلطة، فيجد المتربصون خيولا مصرية تحملهم إلى الخرطوم.

 لكن هذه المرة الجرح مؤلم لان البنادق يحملها من كان موكل بحمايتنا وأقسم على ذلك، بل وأوقف حركة التنمية والتطور لكي لا تتأخر دفعياته، واسكت الأصوات الحرة لأنها ضجيج يصرفه عن حراسة الكرامة، وخرب الحياة السياسية لأنها ضوضاء تحول بينه وبين الالتحام مع الشعب، كل تلك المزاعم وغيرها من الترهات كانت جدية للجنرالات.

 لقد دفع الشعب من قوت أطفاله لهذه البنادق وزبانيتها، ويوم أرادها أن تحميه وجدها مصوبة نحو شرفه وما تبقى من مما يحفظ أبسط حقوقه في الحياة، نعم الوجع تضاعف على ما كان عليه سابقاً لأن الخيانة تعاظمت لدرجة أن أبناءه هم من قتلوه وشردوه، ويصرخون ملء الحناجر بأن من مكنهم ودربهم: جنجويد من وراء الحدود.

 وبعد أن ابتلع الشعب الطعم وظن الظالمون بأن لا أحد يمانع الحال القادم، تنادوا للترحيب بتجربة احتلال جديدة، يحظون فيها بإمتياز الوكلاء المحليين بلا منافس، لا تستغرب فإن من باع من قبل كان يقول ما يقولون الآن، ولهذا اليوم ابتكر نظام الـ30 يونيو 1989 المنظومة الخالفة، حيث يتغير الإطار وتبقى الغاية في قالب يعتبره الناس خلاصاً مما كان.

 لقد سعى إخوة مسيلمة من قبل لتغيير مزود خدمات القهر والظلم (الاحتلال) مراراً وتكراراً، حتى أصابهم التخبط، فما وجدوا قوة إقليمية أو دولية، الا يرضخون لها، بما في ذلك العصابات والجماعات الارهابية، دون أن تفلح تلك المساعي بسبب تأخر اعلان رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في التمتع بهذا الدور، لكن الحظ كان حليف الصبية وتم تعيين السيد: Timothy M. Carney، لهذه المهمة.

 ما يحدث الآن ليس بعيداً عن ما كان يدور بالعام 1998، حينما ارادت امريكا تغييراً في شكل النظام يجعل من التعاون العلني معه بصورة لا تدعو للتحرج من قادة الرأي العالمي والمنظومة الحقوقية، فلجأ إخوة مسيلمة إلى إبعاد العناصر المتطرفة تمهيداً للانتقال لدولة مدنية دينية (دولة المشروع الحضاري)، لا سيما وقد تم ترويج محموم لهذا النموذج عالمياً من الحركة الصهيونية كحل مثالي للأنظمة السياسية بالشرق الأوسط (راجع كتاب شارون: الشرق الأوسط الجديد)، ولكن الرياح لم تفلح بدفع البروبغندا، فحدثت مفاصلة 1999، على أسس عرقية.

 واهم من ظن بأن مصر تفهم مصلحتها الاستراتيجية في سودان الحرية، فصناع القرار عندها مثل الدجاج لا يستطيع رفع رأسه لتبصر الواقع والنظر لمآلات تدخلاته، إنهم مدفوعون بالحاجات الآنية التي تسبب لهم الارهاق الفكري وليس أي شيء آخر سواه، طالما كانت تدخلاتهم مضرة ومزعجة ولا تعدو كونها قوة مستأجرة للسيطرة على السودان وموارده، وهم أول من يدفع ثمن غياب الرؤية وباهظ جداً ما تكلف به لاحقاً.

 بعد تمدد دائرة الحرب لمناطق تدفق المياه العابرة للحدود جعلها تتخطى المسار الذي رسمت له، وسوف تتصاعد صرخات الارهاب الفكري التي تبثها أحزاب التوالي وسادتها التقليديون (إخوان مسيلمة) بعد انتهاء حفلة تقبيل أيادي الغزاة الجدد، فإن عطش الخيول خط أحمر لا يقبل ما كانت تمارسه النخبة من هرجلة لتضييع أشواق السودانيين.

إن أحزاب التوالي بهرولتها لمبايعة أخوان مسيلمة في العام 1999 كوكيل أوحد للاحتلال الجديد، وتكرار فعلتها الآن بمبايعة خيول الاحتلال بالقاهرة، إنما تسير في ذات الطريق الذي يرفضه الضمير الحي، ولقد اعتاد السودانيون على مقاومة حملات الغزو سياسية أم عسكرية كانت، ومعاقبة وكلاء الاستعمار، ومسح سجلاتهم من الذاكرة وسوف يفعل هذه المرة ولو بعد حين.

إلى متى ننتقل من احتلال إلى آخر؟

هل نستطيع بناء شراكة حقيقية مع امريكا؟

هل اعادة تدوير أحزاب التوالي واخوة مسيلمة حل مثالي؟

 (*) باحث بمركز السياسات العامة- السودان

Exit mobile version