ثقافــة

(أتون راء الحرب) .. إشراقة مصطفى تكتب الحرب من داخل الحرف

الدوحة - مشاوير : مجدي علي

حين يدسّ حرفٌ واحد نفسه بين الحاء والباء، تنقلب أرقّ المعاني إلى أقساها، ويتحوّل الحُبّ إلى حرب.. على هذه المفارقة تبني د.إشراقة مصطفى حامد كتابها (أتون راء الحرب)، الصادر حديثاً عن (دار المصوّرات للطباعة والنشر)، متخذةً من الراء الدخيلة وتداً يشقّ الكلمة ويكشف كيف تنقلب العلاقات الإنسانية حين يباغتها الصراع. وفي نصوصها الشعرية والنثرية، تتأمّل الشاعرة والأكاديمية تجارب اللجوء والفقد، وتضيء معركة أخرى لا تقلّ ضراوة: انتزاع الضحايا حقّهم في رواية ما جرى، وصون الذاكرة الجمعية من التزييف والنسيان.

ولا تقف صلة الكتاب بالحرب عند حدود الكتابة والتوثيق، فقد أعلنت المؤلّفة تخصيص عائداته كاملة لمشروع (مندي) للتعليم الأخضر للأطفال، لتجيب عن الركام بمدرسة، وعن الحرب بمعرفة تُبنى للأجيال القادمة. وهي مؤسّسة ورئيسة منظمة مندي لثقافة السلام وإدارة التنوّع، التي أسستها في فيينا عام 2021.

وعن ولادة الكتاب، قالت إشراقة لـ(مشاوير) إنه كُتب بـ”دم القلب”، وإنها تحسّ نبضها وروحها تسري بين سطوره. وبعد الطباعة كتبت: “فشكراً جميلاً لمن قدّموا للكتاب ولمن حفّزوني.. وأيضاً لمن خذلوني وعبّأوني بالأسى!”. شكرٌ لا يفصل بين اليد التي مدّت العون واليد التي خذلت، لأن الأسى نفسه صار حبراً. وكأنها تقول إن الكاتب لا يكتب من الجراح بعد التئامها، بل بها، وإن الخذلان إن لم يكسر الكتابة أمدّها بالصدق.

وتتصل هذه التجربة الإبداعية بمسار المؤلّفة الشخصي والثقافي؛ فإشراقة، التي وُلدت في كوستي وتقيم في فيينا منذ تسعينيات القرن الماضي، نالت الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعتها عام 2006، بعد بكالوريوس الإعلام من جامعة أم درمان الإسلامية. وعُرفت بالدفاع عن حقوق المهاجرين، والنساء المهاجرات والإفريقيات في أوروبا، وتكتب بالعربية والألمانية، وتمثّل الأدب العربي في نادي القلم النمساوي، وتُرجمت أعمالها. كرّمتها حكومة فيينا بميداليتها الذهبية للتشريف، ومنحتها مؤسسة جان ميشالسكي السويسرية مؤخّراً منحة التفرّغ الأدبي لتواصل توثيق حكاية السودانيين العالقين على طريق البلقان، بين الغابات والحدود والأنهار، معلّقين بين وطن غادروه ووطن لم يبلغوه بعد.

وتقول إيمان، التي ستقدّم إشراقة والكتاب، إن قراءة (أتون راء الحرب) أثارت أسئلة حول العلاقات الإنسانية والعاطفية، وكيف يقلب دخول حرف واحد الحب إلى نقيضه: الحرب. وترى أن الكتاب لا يقدّم إجابات بقدر ما يفتح المسكوت عنه، ويضع القارئ أمام أسئلة الذات والحقيقة.

وتضيف أن إشراقة تكتب النزيف والألم والعثرات بصدق وشفافية، متنقلة بين عوالم ومدن وقضايا سياسية وإنسانية، ومستندة إلى ذاكرة متقدة تسائل سلطة المعنى وسبل حماية التاريخ من التزييف والخديعة. وتلفت إيمان إلى أن التزييف يتجاوز إيذاء الآخر إلى التشكيك في ألمه وسلبه حق رواية تجربته، ليصبح شكلاً آخر من العنف، مستحضرةً رواية (السقوط) لألبير كامو في تأملها صعوبة مواجهة الذات والحقيقة. وتختتم بالتهنئة لإشراقة، متمنيةً للقراء مطالعة ممتعة.

ومن هذا الانشغال بالكتابة وتجارب اللجوء والذاكرة، تنتقل حكاية الكتاب إلى لقاء مباشر مع القراء؛ إذ تحتضن العاصمة الفرنسية باريس في الأيام المقبلة جلسة حوارية مفتوحة حول الكتاب، تقدّمها وتديرها الشاعرة إيماض بدوي، بحضور أكاديميين ومثقّفين ومهتمين بالثقافة السودانية في المهاجر الأوروبية، لقراءة جماليات النص ورسالته الإنسانية في لحظة سودانية استثنائية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع