في بدايات عملي في صحيفة نبض الكاريكاتير ـ ونحن لسه صحفيين بنفرغ أشرطة الكاسيت والمواد التى نكتبها نص ينشر والنص التاني بمشي سلة المهملات ، وما ينشر كان ينشر بدون اسم ، في ذلك الوقت كان منعم حمزة هو رئيس تحرير صحيفة نبض الكاريكاتير في وجود أسماء كبيرة مثل نميري شلبي وعلي همشري وصلاح حمادة وأحمد كنوز رحمة الله عليهم الأربعة وعاطف ود الحاج وأمل صلاح توفيق وعثمان أبوشيبة ، وفارس وعلي الدويد ومجدي حسين وحسن شقاق و عبدالاله صديق ، وريرة ومنى سوميت ومعاوية الجاك وأحمد أمين وعماد الماحي ومزمل مصطفى وسفيان الهادي وبدر الدين وإسماعيل فنجاط وملك التسلية عصام حسن زكي ـ اسماء كان أي اسم فيهم نجم قائم بذاته … أي واحد فيهم كان كوكب لوحده.
اسماء كانت تصنع البهجة بسخرية حميدة.
هذا غير ناس “قلب الشارع” كمال خشم الموس وموسى حسب الرسول وطلال مدثر وسوزان شلبي ونوال النور وأماني قودني إلى النور وبقية العقد الفريد.
المهم كان الكاريكاتيرست منعم حمزة يمثل عندنا قمة الرقي ـ ونحن اولاد أقاليم ، هواء المكيفات في العاصمة كان ما يزال يدهشنا ـ أذكر عن حمزة أنه كان أنيقاً ، يبدو مثل نجوم السينما. منصب رئيس التحرير وقتها كان منصب أخطر من منصب رئيس الوزراء.. ولا بتسأل في رئيس الجمهورية.. والبلد كلها كان فيها مائة حزب وسبعين فنان وأربعة رؤساء تحرير.
لا يوجد تواصل بيني وبين منعم حمزة ، وعلاقتي به كانت لا تتجاوز علاقة صحفي في حاجة إلى أن يعرف نفسه حتى لرئيس تحريره عندما يدخل إلى مكتبه ، وكان منعم حمزة نجماً ، يتحدث في المنتديات الثقافية ويتواجد في المعارض التشكيلية ويظهر في التلفزيون وتسمعه في الإذاعة ، وكان عندما يمر في أي شارع يتهامسون باسمه ـ مع ذلك ومع أننا كنا ننظر له كنجم بعيد ، وما بمشي في الأرض ، أحمل له الكثير من الحب والمودة ، فهو أستاذنا ، تعلمنا منه الكثير ، في الصحافة وفي الحياة بصورة عامة.
ناس منعم حمزة ديل أول من عارض وقدم الديمقراطية والحرية في الصحافة كما يجب … كانوا بقولوا أي حاجة وما بخافوا من أي حاجة رغم القيود والإرهاب الذي كان يمارس على الصحافة ، ربما نجحوا في ذلك لأنهم كانوا يقدمون رسالتهم بأدب وخفة دم.
ريشة منعم كانت أقوى من المدفع ولا ننسى الأب الروحي للكاريكاتير عزالدين عثمان والمجدد هاشم كاروري والخطير فارس ورأس الحربة أو رأس الريشة نزيه حسن ، ونادر جني وفائز هؤلاء وقت الكلام كان ممنوع قالوا كلمتهم.
على صفحته الخاصة في الفيسبوك كتب منعم حمزة (روحي دي مارقة في السودان اليومين ديل.. يا قول صباح الخضر قهوة البيت دي هنا في النرويج بقيت ما ضايق ليها طعم.. اشتهيت قهوة هوبة – مواهب أختي وهاك هاك شم ريحة القلوة قبل دق البن.
وقعدة ضل الشاتي والعصريات النديات في بحري.. والعجب سميرة وقهوة الشارع في زقاق الدبايب بالسوق العربي والجميلة اللي قدام محل الإعلان بتاع إسماعيل دقنو الرجل الظريف.. مرة إسماعيل ذات نفسه قال لي ليه أنت بتحب القعاد مع المرأة دي وبنابرها في الشارع.. ادخل اشرب قهوتك جوه المحل واتفرج على الشارع من وراء القزاز.. أنت كل ربع ساعة بتعزم أربعة وخمسة ناس مارين ولغاية آخر النهار بتكون عزمت أكثر من ثلاثين زول.. شوف دي بكم وفي الأسبوع بكم؟ قلت ليهو أمال أنا جاي من القطب الشمالي وراكب لي ثلاث طيارات علشان شنو؟ ما يا هو طق الحنك دا.. الضحكة والقفشة والشيارات.. الدكاترة النرويجيين ذاتهم قالوا لي أهم مكتسبات المناعة للكانسر ومقاومته إنك تلاقي أصحابك القدام.. الزمن داك كباية القهوة بثلاثة جنيه بس يا صبوحة..
اليوم كله ثلاثة في ثلاثين بـ 90 جنيه يعني دولار ونص والدولار كان بـ ستين جنيه.. شنو يعني؟ دي هنا علبة سجاير ليس إلا!! هسع مستنى الأذن من الدكاترة بالسفر وتعبت ياخ من قصة Under Control دي.
فحوصات أسبوعية وشهرين.. سخيفة.. الدم اللي سحبوه مني يعبي الفنطاز داك اللي جنب كوبري كوبر.. غايتو يوم يدوني الأذن يا بلد جاك زول بلا كهرباء بتقطع بلا حمى ضنك.. ياخ نحن اتعايشنا في كل جبال السودان.. جبال الانقسنا وجبال النوبة وجبال البحر الأحمر وجبل مرة وجبال سار سيبو في الجنوب. السودان دا ما زال وسيظل أجمل بقعة في الكون دا كله.. أي والله زي ما أحكيلك).
منعم حتى مرضه يسخر منه بطريقة لطيفة وجميلة ـ سخريته وطرفته لا تغيب حتى في ساعات الوجع والحزن.
الوطنية إن لم تكن كذلك ، بربكم كيف تكون؟ الوطنية ليس شعارات وينكك ، الوطنية أسلوب حياة… قهوة وشاي وزقاق.
أستاذنا منعم حمزة ربنا يديك العافية ويحفظك ويغطي عليك ويرجعك للسودان سالماً وغانماً ومعافى من كل سوء وتشرب قهوتك في زقاق الدبايب .. لكن المرة دي خليها علينا عليك الله ـ دفعت كتير وما قصرت ، خلينا نرد جمايلك بي فنجان قهوة ، ما بنقدر على أكثر من ذلك.
بحلم أعمل أي قاموس إن شاء الله في النت بعنوان شخصيات مهمة أو شخصيات عزيزة جداً… عاوز أكتب عن الناس ديل مجالد ، فهذا تاريخ يجب أن يحفظ ، بل يجب أن يدرس.
اصبروا انتوا بس ـ ماشيين عليكم.