مات تحت وابل نيران الطيران المصري في شمال الوادي الفتى السوداني الطيب الهادي، ابن السادسة عشرة؛ انطفأ عمره قبل أن يكتمل، وبقي عطر سيرته في ذاكرة من عرفوه.
لخص الصحفي راشد أوشي حيرته حين زار قريته، وسمع حكايات طويلة عنه، في جملة قصيرة: “لعل بين هذا الفتى وربه سرًا لا نعرفه، ولن نعرفه”.
لم تكن العبارة إضافةً إلى القصة الخبرية بقدر ما كانت نافذةً انفتحت فيها؛ فقد بدا أن الفتى الذي عرفه الناس ليس بالضرورة كل الفتى، وأن ما حفظته الذاكرة من سيرته لا يستوعب ما انطوى عليه قلبه.
هكذا تحول في ذهني غياب الطيب المبكر من نهايةٍ لحياةٍ قصيرة إلى سؤالٍ عن حدود معرفتنا بالإنسان، وعن تلك المسافة الخفية بين ما نراه وما لا نملك بلوغه.
فكم من إنسانٍ عرفنا وجهه، فحسبناه هو الوجه الذي رأيناه؟ وكم من قلبٍ اختصرناه في موقفٍ أو كلمة، فيما كانت وراءه خفايا وظلال لا تبلغها ظنوننا؟
ليس الطيب سرًا نحلّه ثم نمضي في حال سبيلنا، إنما هنا حدٌّ نتعلم عنده ألا نخلط ما رأيناه بما عرفناه؛ فظاهر الإنسان شهادةٌ لا تستوعب بالضرورة كل باطنه، وما نعرفه عنه، مهما اتسع، لا يصير علمًا بكل ما هو عليه.
لعل من أطلق النار على الطيب لا يعلم أن هناك من ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.
وبالطبع ليس خفاء القلب عذرًا للفعل، ولا النية بابًا يُعفى عنده الإنسان من تبعات ما يصنع؛ فالنية روح العمل، والعمل شاهدها.
لكن الشاهد، مهما صدق، لا يكشف كل ما وراءه، ولا يمنحنا حق الإحاطة بصاحبه.
عند هذه النقطة تلوح في خاطري حكاية المرأة التي حبست هِرةً حتى ماتت، وحكاية الأخرى التي سقت كلبًا أنهكه العطش، فغُفر لها.
هنا قسوةٌ أغلقت على كائنٍ ضعيف، وهناك رحمةٌ انحنت على عطشٍ لا يتكلم.
لم يكن الحيوان مثل الطيب قادرًا على رواية ما جرى، لكن الفعل كشف ما يكفي للشهادة؛ وبقي ما وراء القلب في علم الله.
فقد تحمل صدقةٌ صغيرة، شطر تمرةٍ مثلاً، من صدق البذل ما لا تقيسه الأرقام؛ وقد يمر بين الناس رجلٌ أشعث أغبر، مدفوعٌ بالأبواب، فلا ترى العيون في هيئته ما يعلمه الله من أمره.
إذ ليس قدر الإنسان ما توحي به صورته وحدها، كما لا تُقاس الأعمال بأحجامها الظاهرة؛ إذ قد يكون للصغير أثرٌ عظيم، وللمغمور عند الله شأنٌ لا تعرفه مقاييس الناس.
فالأعظم من قدر الإنسان علي الدوام هو الإنسان نفسه.
وهكذا تتجاور الحكايات عند تخومٍ واحدة: نرى من الفعل ما نشهد به، لكننا لا نملك أن نجعل من شهادتنا إحاطةً كاملةً بصاحب الفعل.
نزن ما ظهر بميزان العدل، ونكف عما غاب عن علمنا؛ فلا نبرئ النيات من شهادة الأعمال، ولا نزعم أن الأعمال كشفت لنا أسرار القلوب كلها.
وهنا نعود لقصة الطيب الهادي من جديد.
هو لم يعش طويلًا ليُكمل طريقه، ولم يترك لنا من أمره ما يبدد المسافة بين سيرته وسره.
عرفه الناس بطيبته، ثم غاب؛ أما ما انطوى عليه قلبه، وما حملته أيامه القصيرة من خفايا، فقد بقي خارج الرواية.
وللحقيقة، ليس لنا أن نملأ ذلك الفراغ بما نشتهي، أو أن نمنحه منزلةً لا نملك دليلها.
يكفي أن قصته تضعنا أمام السؤال الذي طرحه تقرير راشد أوشي منذ البداية: أَنعرف الإنسان حقًا، أم نعرف ما أتيح لنا أن نراه منه؟
لعل الطيب لم يترك لنا سرًا نكتشفه، بل تركنا أمام سرنا نحن؛ أمام عادتنا في استكمال المجهول بظنوننا، واختصار الحياة في روايةٍ ناقصة، ثم الاطمئنان إلى أننا أحطنا بها.
لقد أفضى هذا الفتى إلى ربه، لكن غيابه أبقى لنا درسًا لم ينتهِ: أن نترك للإنسان ما لا نعرفه عنه، وألا نجعل من نقص معرفتنا نقصًا فيه.
ستَّ عشرةَ سنةً، ثم غيابٌ أو تغييب؛ وقصةٌ قصيرة ظلت مفتوحةً على ما لا نملك بلوغه.
كأن الطيب، من وراء صمته، يردنا إلى عتبةٍ ينبغي أن نقف عندها: نرى بإنصاف، ونحكم بقدر البينة، ونترك للقلوب سترها، وللغيب حدوده.
فالفتى لم يعد ليجيبنا.
وبقيت سيرته الأخيرة نافذةً لا تكشف ما وراءها، لكنها تذكرنا بأن بعض الأبواب لا تُفتح لنا؛ وأن الإنسان، مهما عرفنا من سيرته، يظل أوسع من صورتنا عنه.
وفي الدائرة البعيدة عن الأنظار، حيث تنتهي معرفتنا ويبدأ الغيب، يبقى ما لا تبلغه الروايات ولا تستوفيه الأحكام؛ هناك حيث لا يضيع سر، ولا تخفى نية، ولا يحتاج الحق إلى ظنوننا كي يكون حقًا.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.