تعيش ولايات كردفان الثلاث جنوب وشمال وغرب أوضاعاً إنسانية كارثية في ظل استمرار الحرب وانعدام الأمن، وكذلك عدم وصول المساعدات الإغاثية خصوصاً الغذاء والأدوية، أضافة إلى شح الأمطار والجفاف الذي ضرب المدن والمناطق والقري كافة، مما يزيد المخاوف من اتساع نطاق المجاعة.
وجراء هذه الأوضاع بلغ الوضع المعيشي ذروة السوء نتيجة انعدام السلع الغذائية وإغلاق الطرق وتوقف حركة التجارة بين الولايات الثلاث بسبب انعدام الأمن وانتشار المجموعات المسلحة في الطرقات، فضلاً عن الشح الحاد في مياه الشرب نتيجة قصف قوات “الدعم السريع” لمصادر المياه بالطائرات المسيرة، علاوة على نقص الرعاية الصحية وخروج المستشفيات والمراكز عن الخدمة، وبات شبح الجوع والمرض يحاصر المواطنين الذين بالكاد يحصلون على وجبة واحدة في اليوم.
مجاعة وأمراض
في السياق يقول حماد سعيد الذي يقطن قرية كركرة في محلية القوز بولاية جنوب كردفان إن “الجوع دهم غالبية السكان العالقين في المناطق والقري نتيجة انعدام المواد الغذائية وإغلاق الأسواق بالمحلية التي تسيطر عليها قوات “الدعم السريع” منذ مايو (إيار) 2023، ويضطر المواطنين لشراء السلع الغذائية من أسواق بعيدة وسط مخاطر عديدة بخاصة في ظل انعدام الأمن وانتشار المجموعات المسلحة، وتزايد حوادث النهب المسلح، إذ تعرض أكثر من 9 أشخاص لحوادث في القري خلال الأسبوع الماضي، ونتج عن ذلك حادثتا قتل.
وأضاف سعيد في حديثه لـ(مداميك) أن “الوضع الإنساني بات كارثياً، لا سيما بعد نفاد المدخرات المالية لآلاف المواطنين وتوقف الأعمال اليومية والأنشطة التجارية، إلى جانب فشل الموسم الزراعي بسبب غياب التمويل وشح الأمطار، مما ينذر بمجاعة في كافة مدن ومناطق الإقليم.
وأوضح أن “سوء التغذية تفشي بصورة غير مسبوقة في القري خصوصاً وسط الأطفال والنساء الحوامل في وقت تنعدم فيه الرعاية الصحية نتيجة توقف عمل مستشفي الدبيبات الريفي وكافة المراكز الصحية، فضلاً عن نزوح الأطباء والكوادر الصحية بسبب تصاعد الانتهاكات ضد المدنيين، وأسهمت هذه الأوضاع في حدوث حالات وفاة عدة وسط الأطفال.
وتابع المتحدث “اضطرت عشرات الأسر إلى جمع أوراق أشجار التبلدي مع إضافة بعض الملح والبهارات وتقديمها كوجبة من أجل سد الرمق، لا سيما بعد ارتفاع أسعار الذرة والقمح لأرقام قياسية.

نفاد المواد الغذائية
من جانبه أشار صديق الباشا الذي يسكن منطقة أبوزبد بولاية غرب كردفان إلى أن “السكان الموجودين في المنطقة يعانون أوضاعاً اقتصادية قاسية، إذ نفد كثير من السلع الضرورية مثل الدقيق والزيوت والرز والعدس، إلى جانب البصل المكون الرئيس في كل وجبة.
ولفت في حديثه لـ(مداميك) إلى أن “التجار استغلوا الظروف الحالية لرفع الأسعار لأعلى معدل واحتكار البضائع وتخزينها لإحداث ندرة في الأسواق ومن ثم بيعها بمبالغ خيالية، حيث يبررون الخطوة بارتفاع كلفة الترحيل والنقل لأن المواد الغذائية تأتي من ولاية جنوب دارفور، ودولة ليبيا وتحديداً منطقة المثلث.
ونوه الباشا بأن “حالات الإصابة بسوء التغذية والكوليرا والملاريا ارتفعت بصورة ملحوظة إلى جانب بعض الأمراض المعدية المنقولة عبر المياه، وانتشار الالتهابات الرئوية وسط الأطفال والكبار، فضلاً عن انعدام الرعاية الصحية بعد خروج المستشفي الرئيس عن الخدمة بعد استهدافه بطائرة مسيرة، كما أن المراكز الصحية القليلة التي تعمل تعاني من انعدام الأدوية والمحاليل الوريدية.
انفلات أمني
في المنحي ذاته أوضح عباس عمر الذي يسكن مدينة الرهد في ولاية شمال كردفان أن “أطراف المدينة تشهد حالة انفلات أمني كبير يهدد السكان، إذ انتشرت جرائم السرقة المسلحة، والسطو على المنازل، والاعتداءات في وضح النهار، وتم نهب ممتلكات المواطنين علاوة على رصد “4” حالة اغتصاب موثقة في القري المجاورة.
وبين عمر في حديثه لـ(مداميك) أن “أزمة الكهرباء والوقود فاقمت المعاناة المعيشية بسبب توقف عمل طواحين الغلال التقليدية والحديثة التي تعمل بالكهرباء والجازولين في ظل شح وندرة الدقيق، لذلك لجأت النساء لاستخدام حجر الرحى لطحن حبوب الذرة والقمح للحصول على وجبة واحدة في اليوم.
واستطرد “الأسر التي نزحت من مناطق ريفي بارا والدبيبات تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة من إيواء وماء وغذاء وعلاج، ويفترش مواطنون كثر الأرض في العراء وتحت ظلال الأشجار.
وطالب عباس عمر المنظمات الوطنية والدولية بضرورة التدخل مراعاة للأوضاع الحرجة التي يعيشها النازحون، وتقديم خدمات إنسانية طارئة لهم، خصوصاً أن هناك عمليات نزوح جديدة ترتبت على أحداث مناطق جنوب الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان.
توقف المطابخ والتكايا
على نحو متصل، قال الناشط في غرف طوارئ كردفان فيصل السناري لـ(مداميك) إن “وضع سكان كردفان العالقين في المدن والقري يتدهور بصورة مريعة نتيجة انعدام الغذاء والدواء، وتوقف عدد كبير من التكايا، وبات السكان يتشاركون قليلاً مما يملكون مع النازحين، وتوقف 11 مطبخاً خيرياً بسبب عدم توافر التمويل اللازم وتوقف تبرعات الخيرين، إضافة إلى عدم وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة بسبب قيود طرفي الحرب، وكذلك قصف قوافل الإغاثة.
ولفت إلى أن “التكايا والمطابخ كانت تمثل شريان الحياة لآلاف الأسر في ولايات كردفان الثلاث التي باتت الآن مهددة بمجاعة حقيقية، بينما تفتك الأوبئة وسوء التغذية بالمئات.
وناشد السناري المنظمات الدولية التدخل العاجل لتلافي هذا الوضع الحرج، والسماح بمرور البضائع والسلع، فضلاً عن ادخال المساعدات الإنسانية لملايين السكان العالقين في الإقليم.
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع