ثقافــة

(رسالة ملتقى باريس : ثمانية أيام مع الضاد)

السودان في باريس .. قصائد تُصغي لها القاعات وكتبٌ تنتظر من يفتحها

باريس – مشاوير : مجدي علي

ثمّة بلدان لا تصل إلى المعارض بكتبها وأجنحتها وحدها، بل بما تحمله صدور أبنائها من شعر وذاكرة. وهكذا وصل السودان إلى باريس، حيث تُقام الدورة الثالثة من الملتقى الدولي للكتاب العربي في (بيت مصر) بالمدينة الجامعية الدولية، من 17 إلى 24 أكتوبر الجاري. جاء مثقلاً بجراح حربٍ أصابت مؤسّساته الثقافية وفرّقت كتّابه عن جمهورهم، لكنه لم يجئ شاكياً.

جاء بصورته الحقيقية: ثقافةً عريقة، وأدباً حيّاً، وذاكرةً تأبى الانكسار. نقل مبدعوه إلى الملتقى، عن وعيٍ ودراية، وجه بلادهم بآدابه وفنونه وآلامه وآماله، فارتفع صوتهم بين نحو خمسين داراً للنشر وأكثر من اثنين وسبعين كاتباً ومفكّراً وشاعراً من العرب والأجانب.

كان الشاعر يوسف الحبوب أول من طرق باب الملتقى. وقف أمام القاعة وأرسل قصائده، فبدت كلماته مشبّعة بحنين البعيدين وبهدوء من يعرف أن الشعر وطنٌ يُحمل في الصدر. أنصت إليه الحاضرون كمن يسمع صوتاً قادماً من بعيد وقد عرف طريقه إلى القلوب، فكان افتتاحه دعوةً إلى مائدة السودان الثقافية.

وفي اليوم الثالث، لمع عبد المنعم رحمة (منعم رحمه) في أمسيةٍ زاوج فيها بين الشعر والمشهد المسرحي، فصارت الكلمة حدثاً يُرى ويُسمع. ثم جاءت الشاعرة إيماض بدوي بنصّين آسِرَين، أضفى إلقاؤها عليهما حضوراً مميزاً، فقوبلا بتصفيقٍ حار وإشادةٍ واسعة.

ومن القصيدة انتقل الحضور إلى الفكر. ففي الثلاثاء 20 أكتوبر، عُقدت ندوة (رحلة المعرفة والتنوير: مركز الدراسات السودانية وإسهاماته الفكرية والثقافية)، قدّم ورقتها الباحث بكري جابر، وأدارتها وناقشتها إيماض بدوي. وتناولت الندوة تجربة المركز، الذي أسّسه المفكر حيدر إبراهيم علي في القاهرة بوصفه فضاءً مستقلاً للبحث والنشر والحوار، وأحد أبرز البيوت البحثية في السودان، إذ أسهم في مناقشة قضايا الهوية والديمقراطية والتنمية والثقافة. واستعادت الندوة دور المركز في الحياة الفكرية والثقافية السودانية، لتكتسب أهمية مضاعفة في ظل ما تعرّض له مقره ومكتبته في الخرطوم من تدمير ونهب، في استحضارٍ للمعرفة بوصفها جزءاً من الذاكرة التي تستهدفها الحرب.

وقبل أن يعتلي بكري جابر المنصّة، شهد اليوم نفسه تقديم كتابه (تأملات نقدية: جولة في عالم الكتب والكتابة) ومناقشته، ليجمع بين الورقة الفكرية والإصدار النقدي. وإلى جانب الأمسيات والندوات، حضرت إصدارات سودانية في النقد والحرب، منها (الحرب العبثية) للأكاديمي حمد عمر حاوي، الذي قُدّم كتابه في اليوم الثاني من الملتقى. أما الدكتورة إشراقة مصطفى حامد، فيُختتم حضورها يوم السبت 24 أكتوبر بفعاليتين: تقديم كتابها (في أتون راء الحرب)، واحتفاء بالكتاب وصاحبته تتولاه إيماض بدوي، لتُختتم المشاركة السودانية بشهادة تستحضر الحرب والذاكرة. وتواكب هذه الفعاليات حفلات توقيع لعدد من الإصدارات الجديدة المعروضة في أجنحة دور النشر المشاركة.

ولم يقتصر الحضور على المنصّات، فقد شهد الملتقى نشاطاً للكاتب والصحفي محمد الأسباط وعدلان حمد، عضوا اللجنة التحضيرية، إلى جانب علي عبد القادر وضياء الدين يوسف وأميرة بخيت. ويكرّم الملتقى كذلك الناقد مجذوب عيدروس، الأمين العام لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي، تقديراً لإسهامه الكبير في الحياة الثقافية السودانية، فيحضر حضوراً معنوياً ورمزياً يليق بمسيرته الحافلة.

وهكذا التقت في الحضور السوداني القصيدة والكتاب والفكرة، شاهدةً على أن الإبداع والتوثيق يستمران رغم الحرب، وأن الثقافة تصون الذاكرة وتحمل الصوت السوداني إلى العالم. وفي زمنٍ تعلو فيه أصوات الخصومة، يقول السودان إن الألم لا يسقط حق الشعوب في الحلم، وإن المنفى لا يقطع الصلة باللغة، وإن الإبداع قادر على أن يصنع من الشتات وطناً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع