مقالات

شرحبيل أحمد .. واسأل عليك ضو القمر..!!

يس علي يس

في بدايات العام 99، دعيت وصديقي حاتم الأصلي، لمناسبة زواج بحي الامتداد، وكنا قد وصلنا قبل بداية الحفل، ووقفنا عند مدخل الصيوان، و”نخمن” من سيحيي ذلك الحفل، فذكر حاتم أن بعضهم “قال الحفلة بي شريف شرحبيل”، وما إن انتهى من عبارته تلك حتى أطل من بين أكتافنا وجه بشوش ولطيف ومبتسم قائلا: الحفلة بي شريف ذاتو ما قالوا” وضحكنا ثلاثتنا واكتشفنا أنه شريف شرحبيل نفسه، وتجاذبنا أطراف الحديث قبل أن ينصرف لبداية الحفل..!!.

والحديث عن شرحبيل أحمد يطول، فهو ليس فنانا عابرا، بزغ نجمه في زمان ثم خبا، بل هو شمس لا يحجبها ظلام، ولا يخبو نورها، هو الفنان الموسيقي، والفنان في الغناء، والفنان في اللحن، والفنان التشكيلي، والفنان المربي، والفنان الوقور، الذي أكد أن الفن المحترم يبقى مثل الذهب لا يصدأ على مر العصور..!!.

“1”

كان ظهور شرحبيل أحمد في خمسينيات القرن الماضي، بعد تجارب ناجحة هنا وهناك، ما بين العزف، وبين تكوين فرقة العائلة التي جمعت أفراد أسرته، وقدمت تجربة ناجحة في غناء الجاز المعتمد على الآلات النحاسية وآلات النفح والايقاعات الضخمة، وكأن تجربته مرت بمراحلها المختلفة حتى أفرزت شرحبيل أحمد في صورته النهائية التي خلد بها فنه عبر أغنياته وثنائيته الشهيرة مع الشاعر بشير محسن والذي وجد في شرحبيل وصوته وأسلوبه ما جعل شراكتهما ناجحة..!!.

“2”

يمكن القول بلا تردد أن كل أغنيات شرحبيل محفوظة للجمهور ومطروقة من كل الفنانين، لما تحتويه، من بساطة كلمات، وعمق معاني، وسهولة لحن وفخامة موسيقى، جعلتها على الدوام في المقدمة وعبر كل الأجيال..!!.

“3”

ما من جيل إلا وكانت ” الليل الهادي” ملجأ وملاذا، و”مين في الأحبة” صديقا معاتبا للمحبين، و”لما القمر” بث حميم لدفء الشوق، “وفكري يوم قال لي” مناجاة ذات، “وبتقول مشتاق” عتاب موجوع يتقطر وجعا حين يقول:”مسكين الشوق.. لو زي شوقك”، و”اللابس البمبي”، و”حبيب العمر” وخطوة خطوة .. وقلبي دق.. وغيرها من روائع شرحبيل أحمد، وحين غنى للأب كان كأنه يغني لنفسه بلسان شريف شرحبيل وإخوته ” مما تبينا وربينا.. منك أبدا ما شكينا.. أحلى الكلام بتقولو فينا.. كل السمح بتجيبو لينا.. ومافي بينا عيون حزينة.. وين انت أبوي الباقي لي وين إنت.. وين أبوي جيبوهو لي..”.

“4”

غني شرحبيل بالعديد من اللهجات المحلية لقبائل السودان، وغنى بالانجليزية والفرنسية والهندية، فهو فنان مثقف جدا، أينما بحثت عنه ستجده، وفوق ذلك طاف معظم البلدان الأفريقية والعربية والعديد من الأوربية، حمل رسالته وغنى وأدهش وأمتع، وجعل عيون العالم تنظر للفن السوداني باحترام، كيف لا وهو يقدم شرحبيل، ولعل الناس يذكرون كيف تغني الفنان محمد منير بأغنية الليل الهادي، ويردد العديد من الإثيوبيين أغنياته باستمرار بعد أن عبرت أغنياته الحدود، ويكفي ” مصر المؤمنة” التي قدمت مع مجموعة من الفنانين المصريين، وأغنية “أرض الخير” مع مجموعة من الفنانين الأفارقة، بمصاحبة الكورال..!!.

“5”

الأجيال الجديدة لم تعايش فن شرحبيل أحمد في الرسم، من خلال عمله في دار النشر التابعة لوزارة التربية والتعليم، ورسوماته في مجلات الصبيان ومريود وشخصية عمك تنقو الشهيرة، وكيف كان يعالج القضايا الكبيرة للأطغال من خلال أفكار مبسطة عبر شخصية عم تنقو، وقد أثرى شرحبيل وجدان أجيال عديدة من خلال هذا المنبر، وكان مربيا فخيما وعميقا، وقد حفظت له الأجيال كل هذا الجميل، وتعامله في كل مكان كمعلم وليس كفنان فحسب..!!.

“6”

في زمان ما كان الناس يتجادلون عمن هو ملك الجاز، ويعقدون المقارنات بينه وفرقة جاز الديوم، والفنان الجيلاني الواثق، والفنان كمال كيلا، ولكن شرحبيل لم يكن منشغلا بمن هو ملك الجاز أو إمبراطوره، فقد كان عاكف على مشروعه، وتطوير وتجويد وإعادة توزيع أغنياته، ومن يستمع إلى تسجيل قديم من الأغنيات المشهورة سيكتشف ما طرأ عليها من إضافات وحذف وتجديد، ويتأكد أن شرحبيل أحمد لم يوجد ليقف في محطة واحدة..!!.

“7”

الفنان الشامل شرحبيل لم يكن أبدا طيف عابر في الأغنية السودانية، بل كان وسيظل عمودا راكزا، وهدى لكل الفنانين الجدد ليستلهموا من تجربته واجتهاده أن البقاء للأصلح والأنقى وأن الزبد يذهب جفاء ويبقى الجميل.. ويبقى شرحبيل..!!.

متعك الله بالصحة والعافية معلم الأجيال الأستاذ شرحبيل أحمد..!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع