مقالات

أزمة المعيشة في السودان ورهانات الخناق الاقتصادي

أشرف عبدالعزيز

يخوض الشعب السوداني معركة قاسية لا تقل ضراوة عن جبهات القتال المسلحة، وهي مواجهة طاحونة الأزمات المعيشية والاقتصادية المركبة التي تفاقمت بصورة غير مسبوقة.

وتكشف تصريحات الناطق الرسمي باسم تجمع أصحاب المخابز بولاية الخرطوم عن ملامح المشهد الضبابي والانهيار الكلي لشرايين الحياة الأساسية، وعلى رأسها أزمة الخبز والغذاء.

لم تعد أزمة الخبز مجرد تذبذب مؤقت في الإمدادات، بل تحولت إلى ندرة حادة وشاملة في مادة الدقيق الأساسية، حيث ارتفع سعر الجوال بشكل جنوني، متجاوزًا ضعف قيمته السابقة، وانعكس ذلك مباشرة على تآكل القوة الشرائية للجنيه وتراجع وزن وحجم رغيفة الخبز لتصبح عصية على منال الأسر الضعيفة.

كما تحول التوزيع من الوكلاء الرسميين والتجار المتخصصين إلى أسواق موازية ومواقع احتكارية، كمخازن بعض التجار بمحيط استاد الهلال، مما يعني تغييب الدورة الاقتصادية المنتظمة وانقطاع الدقيق عن المخابز. ولا تقف الأزمة عند حدود الدقيق، بل تمتد لتشمل كافة مدخلات صناعة الخبز من زيت وخميرة وأجرة عمالة ومحروقات وتشغيل المولدات، ما وضع أصحاب المخابز بين فكي التوقف عن العمل أو القبول بالخسائر الفادحة.

وفي الوقت الذي يعاني فيه المواطن من انعدام الدخل وشلل القطاعات الإنتاجية، جاءت القرارات والسياسات المالية لتزيد من حرج الموقف، فقد أدى قرار رفع الدولار الجمركي بنسبة 27% إلى موجة تضخمية جديدة طالت كافة السلع والمستوردات الأساسية والأدوية والمواد الخام، ما أسهم في رفع الأسعار كليًا في الأسواق. وزادت العديد من الولايات من أسعار المواد البترولية مع تفاقم ندرتها، مما شل حركة النقل والمواصلات وزاد من تكلفة نقل البضائع والمنتجات الزراعية بين الولايات.

يترافق هذا الغلاء المتصاعد مع تراجع كبير للعملة الوطنية وانهيار قيمتها أمام العملات الأجنبية، حيث يواصل الجنيه السقوط في ظل غياب الغطاء النقدي وتوقف الصادرات وتراجع الإيرادات العامة.

إن غياب السياسات النقدية الناجعة وانعدام الاستقرار الاقتصادي جعلا من المستحيل التنبؤ بأسعار الغد، ما أوجد حالة من الهلع الشامل لدى التجار والمستهلكين على حد سواء.

ولا يمكن فصل هذه الأزمات المعيشية المتلاحقة عن الجذر الأساسي والمحرك الرئيسي لها، وهو استمرار النزاع المسلح والحرب، فالقتال الدائر أدى إلى تدمير البنية التحتية والمنشآت الصناعية وخروج معظم المصانع والمطاحن والشركات الغذائية عن الخدمة، فضلًا عن تعطيل الموسم الزراعي وصعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية وارتفاع مدخلات الإنتاج وقلة التمويل، إضافة إلى تقطيع أوصال البلاد وصعوبة تدفق السلع والخدمات وحرية الحركة بين الولايات والمنافذ الحدودية والموانئ.

إن الأزمة المعيشية الحالية في السودان لم تعد مجرد ضائقة اقتصادية تقبل الحلول الترقيعية، بل تحولت إلى كوارث إنسانية تهدد مجتمعات بأكملها بالمجاعة والفقر المدقع.

وإن أي معالجة جزئية للأسعار أو دعم السلع ستظل قاصرة ومؤقتة ما لم يتوقف القتال وتسترد الدولة عافيتها الاستقرارية والإنتاجية، إذ إن إيقاف الحرب هو الشرط الأول والأهم لإعادة هيكلة الاقتصاد وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مقومات الحياة الأساسية للمواطن السوداني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع