ثقافــة

رحيل محمود جابر دبروم .. ريشةٌ حفظت إرتريا في الألوان

الدوحة - مشاوير : مجدي علي

غيّب الموت صباح الخميس 22 أكتوبر الجاري في جدة الفنان التشكيلي الإرتري محمود جابر دبروم، عن 88 عاماً، بعد عارض صحي لم يمهله طويلاً، ليُسدل الستار على مسيرة فنية ونضالية جعل فيها الريشة لغةً للانتماء والألوان ذاكرةً للوطن.

ووُوري الثرى عقب صلاة الجمعة، في موكب تقدّمه أبناء الجالية الإرترية ومحبّو الفن.

وُلد دبروم عام 1938 في مدينة قندع، وفقد والديه صغيراً، وتبدّت موهبته منذ المرحلة الابتدائية. وفي أسمرا، فتنته لوحات زيتية لفنانين إيطاليين في واجهات المحلات، ولم يكن يملك ثمن الألوان، فاستخرج ألوانه الأولى من الحجر والشجر والنبات، واستعان بالفحم وأقلام الرصاص، حتى عُرف بين زملائه بلقب (الرسّام).

وفي عام 1957، غادر إلى السعودية وهو في السابعة عشرة، فانشغل بالدراسة والعمل الإداري والترجمة نحو عقدين، قبل أن يستعيد شغفه بالرسم في أواخر السبعينيات، ويمضي في تطوير تجربته بالتعلّم الذاتي والقراءة وزيارة المتاحف، وصولاً إلى أسلوب جمع بين الواقعية والسريالية والتكعيبية. وكان يؤمن بأن الفن (هبة من الله)، وأن قيمة الفنان تكمن في صدق تعبيره لا في شهاداته.

وإلى جانب الفن، آمن بالقضية الإرترية وبخط (جبهة التحرير الإرترية)، وسخّر ريشته لشعبه وثورته، فجسّد في لوحاته الإنسان الإرتري وتراثه في الريف والحضر، وصارت أعماله نافذةً أطلّت منها إرتريا على العالم، وعُدّ من أبرز التشكيليين الإرتريين وأوائلهم.

وتندرج تجربته ضمن مسار تشكّل الفن التشكيلي الإرتري الحديث، الذي تأثر بالأساليب الأوروبية، قبل أن يتجه فنانون إرتريون إلى استلهام البيئة المحلية وتوثيق تحولات المجتمع وتجربة الكفاح الوطني والمنفى.

وفي هذا السياق، اكتسبت لوحات دبروم أهميتها من استحضار الإنسان الإرتري وتفاصيل حياته وتراثه، وتحويلها إلى ذاكرة بصرية تحفظ ملامح الوطن خارج حدوده الجغرافية. ولم يكن ابتعاده الطويل عن الرسم انقطاعاً عن هذه الذاكرة؛ فقد ظل الانتماء حاضراً في رؤيته، حتى عاد إلى الألوان وجعل منها وسيلة لاستعادة ما حمله معه من وطنه.

وشارك دبروم في معارض بالسعودية وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا والأردن وسوريا وماليزيا، ونال عام 2016 المركز الثالث في مسابقة فنية بلندن عن لوحته الشهيرة (حنين الوطن)، وفاز عام 1993 بجائزة من الخطوط السعودية، كما اقتُنيت أعماله ضمن مجموعات فنية، من بينها مجموعة متحف عبد الرؤوف خليل بجدة. وكرّمه الملتقى الثقافي العربي الإرتري بجدة.

وتنوّعت مرجعيات أعماله بين الواقعية والسريالية والتكعيبية، مع ميل واضح إلى تصوير الحياة اليومية والعمارة القديمة والمشاهد الثقافية. ويمكن النظر إلى تجربته بوصفها نموذجاً لفن الذاكرة، حيث يتقدم الانتماء والهوية على التجريب الشكلي. وتكمن قوة أعماله في صدقها العاطفي وقدرتها على تحويل الإنسان الإرتري إلى رمز بصري دائم الحضور، وإن مالت بعض لوحاته إلى السرد التقريري الذي تتقدم فيه الحكاية الوطنية على التجريب التشكيلي الخالص.

وكان دبروم يرى أن الموهبة لا ترتبط بالضرورة بالتعليم الأكاديمي، بل قد تولد في أكثر البيئات قسوة وبساطة. كما وضع الإنسان في قلب تجربته الجمالية، بعيداً عن العرق واللون والمعتقد، وشبّه التنوع البشري بلوحة لا تكتمل إلا بتداخل الألوان. وظلت الثقافة الإرترية، بحسب رؤيته، حاضرة في أعماله بوصفها جزءاً أصيلاً من هويته وذاكرته.

وتخليداً لاسمه، أطلقت مجموعة ألوان للآداب والفنون الإرترية (جائزة دبروم) السنوية لرعاية الناشئين وتكريم المبدعين الإرتريين. ونعاه اتحاد الكتاب الإرتريين في المهجر، فيما نشر موقع (فرجت) بورتريه له بريشة التشكيلي سليمان بخيت، مشيراً إلى أنه رحل دون أن يُكرَّم في وطنه.

ويبقى من أبرز ما أنجزه دبروم تثبيت ملامح هوية بصرية إرترية في المنفى، وتحويل الحنين والذاكرة إلى مادة تشكيلية تحفظ صلة الإنسان بوطنه. فلم يرسم إرتريا بوصفها جغرافيا فحسب، بل ذاكرةً وإنساناً وحنيناً متجدداً، ومنح الشخصيات التي استحضرها في لوحاته قيمة تتجاوز الملامح إلى المعنى الإنساني. وهكذا ظلت ريشته تحمل الوطن في الألوان، وتستعيده عبر الفن كلما باعدت المسافات بينه وبين أبنائه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع