
تتخذ الفنانة والناشطة الثقافية سحر صلاح من الفن مدخلاً لاستعادة ذاكرة المكان وتوثيق تجارب الفقد والنزوح، عبر مشروعها المتعدد الوسائط (بيوت من حنين)، الذي يوثق العمارة النوبية في السودان وحكايات السكان الذين اقتلعتهم الحرب من منازلهم، سعياً إلى حفظ تفاصيل حياة مهددة بالاختفاء، بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق).
ينطلق المشروع من رؤية للبيت تتجاوز بنيته المعمارية، باعتباره حاضناً لذاكرة الأفراد والعائلات والأجيال، ومكاناً تتراكم فيه تفاصيل الحياة اليومية والانتماء والعلاقات الإنسانية. ومن هذا المنطلق، تمزج سحر صلاح التصوير الفوتوغرافي بالشعر والموسيقى والتاريخ الشفهي، لتوثيق البيوت النوبية وملامحها المعمارية، وربط صورها بحكايات أصحابها وتجاربهم، مع اهتمام خاص بالنساء بوصفهن حافظات لذاكرة المنازل وما تختزنه من تفاصيل.
وعلى امتداد أكثر من عشرة أعوام، عملت سحر صلاح في معهد غوته بالسودان ضمن مجال البرامج الثقافية، قبل أن تضطر إلى مغادرة منزلها في الخرطوم عقب اندلاع الحرب في أبريل 2023، وتتجه إلى العمل الثقافي بصورة مستقلة. وترى أن آثار الحرب لم تتوقف عند تدمير المؤسسات والمساحات الثقافية، وإنما طالت حياة الفنانين والعاملين في المجال، وأضعفت قدرتهم على الإنتاج، فضلاً عن تهديد الممارسات الثقافية غير المادية والتقاليد والطقوس والاحتفالات المحلية. وتؤمن بأن قيمة الفن والثقافة تتجاوز العمل الإبداعي ذاته، لتشمل ما يتيحانه من علاقات وأفكار وحوارات، وما يفتحانه من جسور للتواصل بين الناس.
وقد اكتسب هذا التصوّر بُعداً شخصياً خلال العمل على المشروع، حين جلست سحر مع أشخاص فقدوا منازلهم، واستمعت إلى رواياتهم فوق بقايا البيوت التي اضطروا إلى مغادرتها.
وتستعيد إحدى تلك اللحظات بقولها إنهم جلسوا معاً على أنقاض منازلهم، فتحول الركام إلى مجلس جمعهم. شكّل اللقاء نقطة تحول في تجربتها؛ فقد أدركت أن المشروع يتجاوز توثيق بيوت تختفي، ليصبح تأملاً في الألم والنزوح، ومساحة تحفظ أصوات أشخاص يرفضون أن تتلاشى حكاياتهم.
كما أعاد إليها مواجهة تجربة نزوحها الشخصية، وأتاح لها قراءة ما عاشته من خلال الإصغاء إلى تجارب الآخرين ومشاركتهم لحظاتهم.
وتصف سحر تلك اللقاءات بأنها شكل من أشكال الحضور والمقاومة؛ إذ غدا توثيق الحكايات جزءاً من مسار تعافيها الشخصي، ومحاولة لفهم الفقد عبر الإصغاء إلى تجارب أصحاب المنازل وصمودهم.
وفي هذا المسار، أسهم دعم (آفاق) في انتقال المشروع إلى فضاء العرض، فأقامت سحر صلاح معرضه الأول داخل السودان مطلع عام 2026، بمشاركة الموسيقار عاصم الطيب قرشي، الذي وضع مقطوعات موسيقية أصلية للعمل، والكاتب مصعب محمد عبد الحميد، الذي أسهم بنصوص أدبية. وجمع المعرض الصور الفوتوغرافية والموسيقى والنصوص، مقدماً البيوت من خلال حيوات أصحابها وذكرياتهم، لا عبر أشكالها المعمارية وحدها.
وتصف سحر دعم الصندوق بأنه كان بمثابة طوق نجاة، لما وفره من إسناد مالي ومعنوي في فترة واجهت فيها النزوح وتداعيات الحرب، مؤكدةً أن هذا الدعم أتاح لها مواصلة الممارسة الفنية وسط ظروف بالغة الصعوبة. وتلفت، في سياق حديثها عن واقع العمل الثقافي، إلى الضغوط الاقتصادية التي تواجه الفنانين والعاملين في المجال، واعتماد كثير من التجارب الإبداعية على الموارد الشخصية أو التمويل الخارجي قصير الأجل، فضلاً عن استمرار التعامل مع الفنون أحياناً باعتبارها ترفاً، رغم دورها الأساسي في الحياة العامة.






