
تشهد مدينة أم درمان إحدى مدن العاصمة السودانية خطوات جادة نحو التعافي وإستعادة الحياة من معاناة الحرب والقتل والنهب والسرقة، لا سيما أن هذه المدينة العريقة هجرها سكانها لفترة طويلة مع اندلاع القتال بين الحيش وقوات “الدعم السريع” في منتصف أبريل 2023، وسيطرة الأخيرة على أجزاء واسعة من العاصمة.
في شهر مايو الماضي، تمكن الجيش من تحرير الخرطوم وإعلان خلوها من “الدعم السريع”، الذي إنسحب غرباً إلى دارفور وكردفان، ليبدأ السكان في العودة الطوعية من مناطق النزوح تحديداً في ضواحي أمبدة والثورات والريف الجنوبي للمدينة متمثلاً في الصالحة والشقلة والفتيحاب، حيث اكتظت تلك المناطق بالسكان والحركة الدؤوبة بفعل عودة الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وإنتظام خطوط المواصلات والأسواق والمستشفيات، فضلاً عن إنحسار الأمراض والأوبئة.
لكن ثمة تحديات لا تزال تهدد إستقرار المواطنين وتعافي المدينة بخاصة في ما يتعلق بإرتفاع أسعار السلع الإستهلاكية التي تزيد بشكل يومي وتفاقم تعقيدات الأوضاع المعيشية في ظل تفشي البطالة ونسبة الفقر على رغم وفرة المواد الغذائية بعد نهوض الأسواق من ركام الحرب.
موجة غلاء
تقول زينب عبدالله العائدة إلى ضاحية الثورة في مدينة أم درمان “عدت قبل شهرين إلى منزلي في ضاحية الثورة بأم درمان بعد أكثر من سنتين قضيتها مع أسرتي في أحد مراكز النزوح بولاية نهر النيل، لمباشرة عملي الحكومي في الخرطوم حتى لا أفقد وظيفتي، وفي الحقيقة أن مظاهر الحياة عادت إلى طبيعتها في معظم مناطق أم درمان والتي تعد حالياً من أكثر مدن العاصمة إكتظاظاً بالسكان سواء من العالقين أو العائدين”.
وتضيف “ويلحظ ذلك من خلال الأسواق التي تعج بالحركة، وتتوفر بها كافة أنواع السلع الإستهلاكية، علاوة على الخضروات والفواكه، إلا أن هناك موجة غلاء جنونية في الأسعار لا يمكن وصفها، وهو جعل المواطنين يعانون في أوضاعهم المعيشية وعدم القدرة على الشراء مما تسبب ذلك في أزمة الجوع التي أصبحت من الأحاديث المتداولة في المجتمعات السودانية”.
وتتابع أن “خطوط المواصلات أيضاً بدأت في الإنتظام ، لكن تسعيرتها مرتفعة ما جعل الحركة إلا للضرورة القصوى، وتختلف التعرفة بحسب حجم المركبة وخطها، إذ إن تذكرة الحافلة الصغيرة تبلغ 1000 جنيه سوداني (1,66 دولاراً)، والحافلات الكبيرة نحو 2000 جنيه سوداني (3,33 دولاراً) ، فضلاً عن الإستقرار في الكهرباء والمياه في بعض المناطق ، إلى جانب تشغيل المراكز الصحية وسط الأحياء السكنية التي بدأت تستقبل المرضى، لكن المعاناة الحقيقية تتمثل في عدم توفر في غالبية الصيدليات وإن وجد فإن سعره باهظ الثمن”.
وتقول زينب “معلوم أن سوق أم درمان يعتبر من الأسواق القديمة، إذ إسترجع التجار نشاطهم بعد أن نقلوا أعمالهم التجارية خلال فترة الحرب إلى الولايات الآمنة، مما زاد من إقبال المواطنين عليها لشراء مستلزماتهم الأساسية من أجل إعمار المنازل التي تعرضت للنهب والسرقة، إلى جانب أسواق أخرى مثل سوق ليبيا وسوق صابرين وجميعها مزدحم بالمشترين”.
وأشارت موظفة القطاع الحكومي إلى أنه “صحيح هناك تضافر جهود من قبل التجار لإعادة إحياء الأسواق من جديد، لكن المواطنين العائدين أو العالقين على حد سواء يعانون من إنهيار الوضع الإقتصادي المأزوم في البلاد على أمل أن تعمل الحكومة على تحسين الأحوال المعيشية في ظل العودة غير المسبوقة للنازحين من داخل البلاد وخارجها، إذ إن الجميع ينشدون الإستقرار وانخفاض الأسعار التي أرهقت المواطنين”.

إكتظاظ سكاني
في سياق متصل، ترى روضة فضل التي تقيم في ضاحية أمبدة بمدينة أم درمان أنه “ظلت المدينة خلال فترة الحرب الملاذ الآمن لمعظم سكان العاصمة خاصة الخرطوم وبحري، رغم تعرضها لدمار واسع، وكنا شهوداً على هذا التخريب بسبب عدم تمكننا من النزوح، لكن مع العودة التدريجية للسكان بدأت أعمال الإعمار للمنازل التي تعرضت للدمار والنهب من جديد، كما بدأت أعمال النظافة في الشوارع وإزالة الأنقاض، حيث إنعكس ذلك من خلال عودة الأنشطة في كافة مناحي الحياة، خاصة الأسواق التي تشهد تزاحماً كبيراً رغم ارتفاع الأسعار بشكل لا يوصف”.
وأردفت أن “الحياة لا تزال قاسية خاصة في جانب الغلاء، مما أدى إلى إضعاف القوة الشرائية وتقليل الطلب حتى في بعض الأساسيات، في وقت يعاني كثيرون من عدم تمكنهم في استئناف أعمالهم، فضلاً عن توقف الرواتب الشهرية”.
ونوهت المواطنة أنه “رغم أن بعض الأحياء في مدينة أم درمان تشهد إستقراراً كبيراً في الخدمات الحيوية تحديداً في الريف الجنوبي مثل صالحة والشقلة، لكن هناك تحديات مقلقة من أهمها إنتشار السلاح الذي أدى إلى تزايد عمليات السطو المسلح التي تهدد مضاجع المواطنين، إضافة إلى انقطاع الكهرباء الساعات طوال مما يسهم في إنقطاع المياه وعدم القدرة على تشغيل (الموتورات) لضخ المياه، علاوة على معاناة المواطنين من الأمراض والأوبئة ، خصوصاً الكوليرا”.
انتعاش متواصل
من جانبه، أوضح بركات يوسف وهو صاحب محال لبيع السلع الاستهلاكية بشارع الوادي في مدينة أم درمان أن هناك حركة نشطة في المدينة خصوصاً في الأسواق والمحال التجارية، حيث تزداد حركة الزبائن والبضائع بشكل يومي.
وبيّن يوسف أنه خلال فترة الحرب كانت المحال التجارية تعد على أصابع اليد الواحدة، أما الآن إستعاد عشرات التجار نشاطهم مع عودة المواطنين وتوفر وسائل النقل والمواصلات.
وأشار التاجر إلى أن “الأسواق في مدينة الخرطوم لا تزال تعاني من آثار الدمار، مما جعل الأسواق في أم درمان تنتعش ويقصدها المواطنين لتلبية حاجاتهم رغم الغلاء، لا سيما أن شارع الوادي يعج بالحركة ويعد موازياً لشارع الستين في الخرطوم”.




