
ظل الرئيس الأميركي دونالد ترمب حتى وقت قريب يؤكد أن إدارته قريبة جداً من إنهاء الحرب المندلعة في السودان بين الجيش وقوات “الدعم السريع” منذ قرابة ثلاثة أعوام، لافتاً إلى أن هذه الحرب تحظى باهتمام خاص ضمن تحركاته السياسية والدبلوماسية.
لكن واقع الحال يشير إلى أن الحرب بين الطرفين السودانيين ما زالت مشتعلة بخاصة في إقليمي دارفور وكردفان دون أن تلوح في الأفق بوادر لتوقفها، فيما تشتد الحرب الكلامية بين قيادات الطرفين، مما يعني أن الحسم العسكري هو المخرج لإنهائها، وهو ما يطرح تساؤلاً عن أين ذهب الحل الأميركي الذي وعد به ترمب؟ وما السيناريوهات المتوقعة لهذه الحرب؟
وسيط قوي
ويرى الباحث في الشؤون الأفريقية محمد تورشين أن “تصريحات دونالد ترمب والإدارة الأميركية بصورة عامة في ما يتعلق بقضية السودان تعد إيجابية إلى حد ما، فهي تأتي في إطار محاولة أن تكون واشنطن حاضرة في الملف السوداني، وهو ما عبر عنه الرئيس الأميركي بكل وضوح وشفافية حين سُئل عن حرب السودان، إذ قال إنه لا يعلم شيئاً عما يجري في هذا البلد وما إلى ذلك، فهذه المسألة كانت واضحة في طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من الرئيس الأميركي أن يقوم بشيء حاسم لوقف ما يحدث في السودان خلال لقائهما أخيراً بواشطن، بالتالي هي محاولات من شأنها أن تجعل من السعودية حاضرة في هذا الاتجاه”.
وتابع تورشين، “لكن أعتقد أن ترمب لم يبذل أي مجهود جاد من شأنه أن يسهم بصورة أو بأخرى في تحريك المفاوضات المتعلقة بوقف حرب السودان، وفي اعتقادي أن العامل أو البعد الخارجي هو المتحكم مباشرة في مسارات الحرب والاقتتال الداخلي بين الجيش و’الدعم السريع‘”.
واستطرد تورشين “من المؤكد أنه إذا نجحت الولايات المتحدة وكل الشركاء الدوليين في وقف البعد الخارجي للحرب، فإن العوامل على المستوى الداخلي ستتغير بصورة كبيرة جداً، فهناك مثلاً قرارات صادرة من مجلس الأمن تتعلق بحظر توريد الأسلحة لإقليم دارفور لم تُنفذ حتى الآن، وهو ما يؤكد أن واشنطن غير مهتمة كثيراً بملف السودان، ومن دون أدنى شك أنه عندما يُحيد العنصر الخارجي فإنه ستكون هناك تحولات كبيرة في هذه الحرب وبخاصة لناحية التوصل إلى اتفاق أو وقف هذه الحرب بصورة كلية”.
وزاد “أن هناك أطرافاً خارجية ظلت توفر لطرفي الحرب (الجيش و”الدعم السريع” كثير من الدعم والضمانات، وتؤكد لهما أنه لن تطالهما العقوبات الأميركية وما إلى ذلك، وهو ما يجعل الطرفين يسعيان بصورة أو بأخرى في تحقيق ذلك، أي بمعنى المضي قدماً في عملية الحرب وتحقيق الانتصار باعتبار أن ذلك ربما يكون المخرج. وربما أن الإدارة الأميركية أيضاً تسعى في هذا الاتجاه لتحقيق مصالح أو مقاربة لإبقاء قوات “الدعم السريع” في المشهد، لذلك لا أعتقد أن دونالد ترمب سيكون قادراً في ظل التحديات الإقليمية والدولية على الاهتمام بقضية السودان، لأنها غير مؤثرة وفاعلة في ما يتعلق بتهديد المصالح الأميركية”.
وبين أن “الحديث عن أن حرب السودان ستنتهي بانتصار عسكري، من خلال سحق الطرف الآخر والقضاء عليه وقتل كل عناصره، هذا القول لن يحدث، لأن الانتصار العسكري دائماً ما يقوم على إضعاف الطرف الآخر إلى مرحلة ما تُجبره على تقديم تنازلات أكبر في مسار المفاوضات، ومن ثم التوصل إلى اتفاق نهائي. فهذه الجزئية إن لم تتوافر فستكون مسألة الوصول إلى تفاهمات بالغة التعقيد باعتبار أن هناك توازن قوة بين الطرفين”.
وختم الباحث في الشؤون الأفريقية بالقول إن “التوصل إلى تفاهمات يحتاج إلى شريك أو وسيط دولي قوي قادر على الضغط على الطرفين، وهذه المسألة متوافرة فقط في واشنطن، والتي يبدو أنها غير مهتمة بهذا الصراع، بل هناك جهات كالإمارات لها تأثير كبير جداً على مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة، لذا لا أعتقد أنه سيكون للأخيرة دور فعال في هذا الإطار يقود إلى تحقيق تسوية في السودان، بالتالي للأسف الشديد فإن مسار العمليات هو الذي سيكون عنصراً حاسماً في مستقبل الصراع في السودان”.




