
في ظل الحرب المستعرة في السودان بين الجيش وقوات “الدعم السريع” منذ منتصف أبريل 2023، أصبح ملف المعتقلين والمختفين قسراً أكثر تعقيداً، بسبب رفض طرفي الصراع الكشف عن مصير المفقودين في السجون غير الرسمية التابعة لهما، في وقت تعدد مواقع الاحتجاز السرية.
مواقع التواصل الاجتماعي تضج بالمبادرات والحملات التي دشنها ناشطون وحقوقيون وأعضاء غرف الطوارئ مرفقة بصور ومقاطع الفيديو كمحاولة قد تقود لمعرفة مصير هؤلاء المعتقلين والإفراج عنهم سواء من المدنيين أم العسكريين، فيما تتسع المواجهات والاشتباكات ويرتفع معها عدد المفقودين في السجون غير القانونية مع انعدام أية إشارة إلى مواقع احتجازهم، وبخاصة في مناطق سيطرة “الدعم السريع” بإقليم دارفور وأجزاء واسعة من كردفان.
في مطلع فبراير الماضي، قالت المقاومة الشعبية في ولاية شمال دارفور إن “قوات “الدعم السريع” تحتجز 9 آلاف مواطن في سجن “شالا” الواقع في محيط مدينة الفاشر، توفى منهم 300 شخص نتيحة الإهمال الطبي، في حين كشفت تقارير مماثلة عن تخصيص مواقع في ولايتي جنوب دارفور ووسطها كمراكز لاحتجاز المواطنين المعتقلين من دارفور وكردفان والمرحلين من ولايتي الجزيرة والخرطوم قبل أن يستعيدهما الجيش أخيراً من قبضة “الدعم السريع”.
مصيدة الاعتقال
تقول رقية محجوب، نازحة من مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، “فقدت أشقائي الثلاثة لحظة اجتياح قوات (الدعم السريع) لمدينة الفاشر نهاية أكتوبر 2025، إذ وقعوا في مصيدة الاعتقال والاختفاء القسري، ومنذ ذلك الوقت نعيش مأساة الفقد وسط تقارير حقوقية تتداول اعتقال (الدعم) لآلاف المدنيين تحت ظروف قاسية في الإقليم، ولم نجد حتى هذه اللحظة ما يدلنا على مواقع احتجازهم منذ فرارنا من الفاشر والعيش كنازحين في معسكرات الإيواء بمنطقة طويلة”.
وتابعت “قصة أشقائي تعبر عن واقع حال العائلات التي فقدت أبناءها منذ الحصار الشديد لقوات (الدعم السريع) على مدينة الفاشر لأكثر من 18 شهراً، إذ لم تكتف بالقتل والتهجير بل اعتقلت آلاف المواطنين وطالبت أهاليهم بفدية مالية، مما ضاعف الأوجاع لعدم توفر الأموال”.
واستطردت “الآن نعيش معاناة نفسية واقتصادية، إذ قضينا أوقات عصيبة بين رعب الانتهاكات وضيق الحال، ولكن أصعب ما نواجهه هو عدم العثور عليهم بسبب المعتقلات السرية وتعدد مواقعها”.
وأشارت النازحة إلى أن “الاحتجاز لم يتوقف عند الرجال فقط، بل وطاول النساء مع مصادرة هواتفهن لاستغلالها في عمليات الابتزاز النفسي، لا سيما أن الأسر أصبحت تقتطع لقمة العيش من أفواهها لفدية أبنائها، وبعد ذلك يفاجأون باختفاء الخاطفين والمعتقلين معاً”.

مغامرة البحث
لم تفقد السودانية زهرة آدم، التي تسكن مدينة أم درمان، الأمل في إيجاد زوجها وشقيقها، مما دفعها إلى المخاطرة بالسفر إلى المدن التي تقع تحت سيطرة قوات “الدعم السريع” من أجل البحث عنهما من دون الحصول على معلومات أو أثر ملموس يرشدها إلى أماكن احتجازهما، وما زاد خوفها وقلقها أن الخاطفين لم يطالبوا بفدية مما يجعل مصيرهما مجهولاً.
وقالت آدم “ما قادني إلى السفر والمخاطرة هو ما يتداول في مواقع التواصل الاجتماعي حول أن ’الدعم السريع‘ تجبر المعتقلين على دفن الموتى أو على العمل في خدمة الجرحى والمرضى من عناصرها، لكن للأسف لم أجد دليلاً يوصلني إلى زوجي وشقيقي”.
وزادت “كانت هذه الأخبار بمثابة بصيص أمل في العثور على زوجي وشقيقي، لكن نصحني البعض بعدم مواصلة البحث في مناطق سيطرة “الدعم السريع”، خوفاً من أختفي مثلهما في ظل فوضى الاعتقالات التعسفية وحرب العصابات”.
يروي محمد عثمان، الذي يسكن مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، أن “مسلحين يرتدون زي (الدعم السريع) اعتقلوا ابنه الوحيد في مدينة نيالا في أكتوبر الماضي، ومنذ ذلك الحين لم يسمع عنه أي أخبار”، مضيفاً “لم نترك سجناً معروفاً من سجون (الدعم) إلا وبحثنا عنه، والمؤسف أننا نسمع قصصاً مروعة عن المختفين والمعتقلين وظروف احتجازهم والمعاملة القاسية في حقهم وحرمانهم من الطعام والماء، لذلك نغامر بأنفسنا في التقصي عنه، فضلاً عن التواصل مع جهات نافذة، ولكنها وعود كاذبة مع عدم وجود جهات رسمية تدلنا عن مكان وجوده”.
وناشد عثمان بمرارة المنظمات الحقوقية والجهات الدولية بالضغط على قوات “الدعم السريع”، للإفراج والكشف عن مصير المعتقلين الذين لا علاقة لهم بما يجري من قتال.
مواقع سرية
الناشط المجتمعي في إقليم دارفور عيسى دفع الله، يوضح “بالفعل هناك موجة اعتقال واختفاء قسري طاولت أعداداً كبيرة من المواطنين، وظهرت معها مواقع احتجاز سرية، إلى جانب سجن شالا المعروف في مدينة الفاشر، وسجن دقريس في مدينة نيالا، الذي خصصته قوات (الدعم السريع) للمعتقلين من المدنيين”.
وأشار دفع الله إلى أن “المعتقلين يجري تجميعهم أولاً في سجن كابو أو دقريس الواقعين في مدينة نيالا بعد أن أصبحا أكبر زنازين (الدعم السريع)، ومعظم هؤلاء المعتقلين جرى اعتقالهم في ولايتي الخرطوم والجزيرة في ظروف لا إنسانية”.
ولفت إلى أن “هذه المعتقلات يمارس فيها التعذيب والضرب أثناء التحقيقات، إلى جانب التجويع وعدم توافر الرعاية الصحية والمساومات المالية أو الفصل بين المدنيين والعسكريين، كما يتم التعامل مع المعتقلين على أسس عرقية ومن منطلق أنهم أعداء، مما يسد منافذ الحماية التي تنصها القوانين الدولية، والواقع يؤكد أن ملف المفقودين والمعتقلين تحول إلى أزمة نتيجة تعدد مواقع الاعتقال والاختفاء، وغالبيتها خارج القانون ولا تخضع لرقابة قضائية”.




