الشاهد الأول ضد بن لادن
رغم أن بعض تفاصيل علاقة أسامة بن لادن بحكومة الإنقاذ وقيادات الجبهة الإسلامية صارت معروفة، إلا أن بعضها الآخر لا تزال طي الكتمان، وما تزال هناك أسرار كثيرة تخرج إلينا بـ”القطارة”.
هذا الكتاب مساهمة جادة في إضافة بعض تفاصيل علاقة بن لادن بالسودان، في فترة التسعينات، من خلال قصة جمال الفضل، العضو السوداني في تنظيم “القاعدة” والمقرب من بن لادن. يجمع الكتاب بين العمل التوثيقي الجاد والمحترف، والأسلوب الروائي الذي يميز زميلنا الصحفي محمد عبد العزيز، مؤلف الكتاب، وصاحب عدد من المشاريع الروائية تحت التجهيز.
يبدأ الكتاب بالمشهد القنبلة، حين يقترب جمال الفضل، بعد ثماني سنوات من العمل مع “القاعدة” وبن لادن شخصيا، في أحد أيام شهر سبتمبر من عام 1996، من موظفة السفارة الامريكية في أسمرا، هامسا أن لديه معلومات هامة حول خطط لعمليات إرهابية ضد الولايات المتحدة. منذ ذلك اليوم تحولت حياة جمال الفضل كلية، مر بسلسلة من اللقاءات والتحقيقات كشفت للساطات الامريكية أنهم حصلوا على كنز هائل من المعلومات، وانتهت بنقله إلى الولايات المتحدة الامريكية، ووضعه تحت برنامج حماية الشهود باعتباره الشاهد رقم واحد ضد بن لادن وعدد من قيادات القاعدة.
ولد جمال الفضل بقرية “الحار موسى” بريفي رفاعة، شرق الجزيرة، ودرس حتى الثانوي بالخرطوم، عمل مع والده في التجارة، جرب أكثر من عمل، ثم واتته فكرة الهجرة إلى أمريكا، فحصل على الفيزا عام 1986 وسافر إلى هناك.
لم يكن جمال الفضل متدينا بأي شكل، لكن في نيويورك ومن خلال تردده على مسجد الفاروق في بروكلين بدأت علاقته بالتنظيمات الإسلامية، حيث كان ذلك المسجد هو أحد مراكز تجنيد الشباب للقتال مع المجاهدين الأفغان ضد الغزو السوفيتي، ثم تحول، كما هو معروف بعد ذاك، ليكون أهم مراكز تنظيم القاعدة.
لعب الفضل أدوارا كثيرة في نيويورك، ثم سافر أفغانستان في نهاية عام 1988 ليبدأ فصلا جديدا في حياته بلقائه مع أسامة بن لادن وأيمن الظواهري ويشهد بدايات تكوين تنظيم القاعدة.
ويروي الكتاب كيف تواصلت حكومة الإنقاذ مع أسامة بن لادن ورحبت بوجوده في السودان، فوصل جمال الفضل ليهيء الوضع، ويشتري البنايات والمنازل والمزارع، ويكون جزءا أساسيا من تحركات بن لادن بالحرطوم وعمليات شراء السلاح واليورانيوم وخازن أسرار تلك المرحلة، كما كان هو الصلة مع حهاز المخابرات السوداني.
امتلك جمال خلال هذه الفترة معلومات غاية في الأهمية والخطورة عن علاقة القاعدة وبن لادن بالجماعات الجهادية في مصر وعدد من دول المغرب العربي، والخليح والأردن وأريتريا وحتى الفيلبين.
وخلال هذه الفترة أنجز جمال الفضل مهاما متعددة في نيروبي باكستان المجر ويوغسلافيا.
تولى الفضل مسؤوليات كثيرة، كان بينها العمل في عدد من شركات القاعدة، فيما تدهورت علاقته بالجهات الأمنية السودانيةـ وتعرض للاعتقال مما دعاه، بعد الإفراج عنه، للسفر لأفغانستان والبقاء فيها ، قبل العودة للسودان.
ويروي الكتاب أيضا كيف تدهورت علاقة جمال الفضل بالقاعدة وبن لادن لدرجة فصله من شركات التنظيم وتهميشه…بعد اتهامه بالفساد المالي. عمل الفضل في أعمال خاصة بالخرطوم وأنشأ شركة خاصة ولاقى نجاحا أول الأمر ثم سرعان ما تدهورت أوضاعه وغرق في الديون.
لجأ لإخوانه في تنظيم القاعدة وحاول مقابلة بن لادن ليطلب منه مساعدته للخروج من هذا المأزق، لكنه لم يجد أي تعاطف أو مساعدات من الرفاق القدامى.
سافر الفضل إلى سوريا والأردن بحثا عن من يساعده، ثم استقر به الامر في العاصمة الأريترية أسمرا وهو مشبع بالألم والغضب من رفاق التنظيم والمخابرات السودانية، ومصمما على الانتقام منهم.
في أسمرا اتصل بالسفارة الأمريكية عارضا خدماته، بعد جلستين فقط كان يجلس أمامه مسؤلا القاعدة في المخابرات الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالية قدما مباشرة من واشنطون بعد التقارير الأولية التي وصلتهما من السفارة والتي كشفت أنها وقعت على كنز ثمين من المعلومات.
باقي القصة في الكتاب الذي يروي كيف تم نقله إلى قاعدة عسكرية أمريكية في ألمانيا، ثم إلى واشنطون حيث تم وضعه هو وأسرته في برنامج حماية الشهود المعروف في أمريكا، وتم استخدام معلوماته في المحكمة ضد عدد من قيادات القاعدة.
الكتاب ممتع ومليء بالتفاصيل، وقد بذل المؤلف جهدا كبيرا في مطاردة التفاصيل والشهادات وإجراء المقابلات ومراجعة الوثائق حتى خرح بهذا السفرالعظيم.
الكتاب: الشاهد الأول ضد بن لادن، جمال الفضل سوداني هز القاعدة
الناشر الدار المصرية السودانية الأماراتية بالقاهرة، توزيع منشورات عندليب.