
قبل أسبوعين قمت بالتسجيل لدعم حملة تتعلق بدعم النساء والفتيات في مناطق الحروب، تقودها إحدى المنظمات الدولية الكبرى، لأتلقى في غضون أيام مكالمة هاتفية من المنظمة لاستكمال التسجيل وإيضاح طريقة تقديم التبرع لمصلحة الحملة. خلال المحادثة كان تركيز ممثلة المنظمة ينصب على دعم النساء داخل قطاع غزة دون ذكر أي مناطق صراع أخرى، عندها أردت السؤال عن النساء والفتيات ممن يواجهن الفظائع في السودان، لتوضح المتحدثة أن الحملة بالتأكيد تشملهن أيضاً.
استكملت المكالمة وتركت من تهاتفني تواصل شرح التفاصيل كافة، لكن ما أن أغلقت الهاتف تردد في ذهني سؤال ملح “لماذا تتغافل منظمات إنسانية همها الأول والأخير دعم الضحايا، عن ذكر محنة مروعة تعيشها مئات الآلاف النساء في السودان؟” وإذا كانت هناك قضية تلقى صدى أوسع من غيرها في الإعلام أو من قبل صانعي السياسات، فحتماً لا ينبغي أن يكون ذلك أمر مقدمي الخدمات الإنسانية.
النزاع في السودان إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية خلال القرن الـ21، إذ خلف ملايين النساء والأطفال والأسر النازحة يعانون العنف وانعدام الأمن الغذائي وانهيار الخدمات الأساس. فأعلنت المجاعة رسمياً هناك العام الماضي، وتفيد الأمم المتحدة بأن نحو 25 مليون سوداني يواجهون جوعًا حاداً، وأن ما لا يقل عن 12 مليون شخص اضطروا إلى النزوح من منازلهم بسبب الحرب الأهلية. وتشير تقديرات أميركية إلى أن عدد الوفيات حتى الآن تجاوز 400 ألف شخص، غير أن الأكثر فظاعة في حرب السودان دون غيرها هو ما يتعرضن له النساء والفتيات من اغتصاب وعنف وإذلال جنسي من قبل عناصر قوات “الدعم السريع”.
الحرب المتفاقمة في السودان بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع”، وتؤجج نارها قوى خارجية تمد أطرافها بالسلاح والمال، دفعت البلاد نحو مشهد إنساني مأسوي غير مسبوق، لكنه لا يزال بعيداً من دائرة الضوء التي يستحقها. ومن هنا لم يعد السؤال مجرد انطباع شخصي بعد مكالمة هاتفية، بل معضلة إنسانية وسياسية تستوجب التفكيك. فبينما تتفاقم الكارثة في السودان على هذا النحو، يبقى حضورها في الحملات والخطابات الدولية أقل من فداحة الأزمة. لهذا كان لا بد من طرح هذه الأسئلة وغيرها، على المنسقة الأممية للشؤون الإنسانية في السودان دينيس براون، للوقوف على حجم الكارثة والاستجابة الدولية والتحديات التي تعوق إيصال المساعدات.
لماذا نحن لسنا مهمين؟
السؤال نفسه جال بخاطر المنسقة الأممية التي قارنت بين ما تحظى به محنة سكان غزة من انتشار وصدى دولي واسع، وما يواجهه السودانيون من تجاهل. وتقول “هذا السؤال يتردد بين السودانيين أيضاً، لماذا نحن لسنا مهمين مثل آخرين؟”. وتضيف “الوضع يبدو معقداً للغاية، ومتقلباً وضخماً. ما الحل؟ يبدو أن الجميع يكافح للإجابة عن هذا السؤال، هذه هي الأمور التي أفكر فيها لأنني لا أفهم بالكامل”.
وتضيف “لقد أظهرنا من خلال تقاريرنا لحقوق الإنسان نمطاً واضحاً من العنف الجنسي، يشمل الاغتصاب الجماعي والعنف الذي يصل إلى حد التعذيب الجنسي، لكن هذا ليس مجرد كلمات على الورق، بل أنا أتحدث عن النساء اللاتي جلست معهن داخل هذا البلد وشرحن لي ما تعرضن له، والبيانات التي جمعناها والأنماط التي توصلنا إليها.
انظروا إلى تقرير الفاشر الذي أصدرته الأمم المتحدة الشهر الماضي، تقرير مكتب حقوق الإنسان، استخدمت فيه كلمات مثل “وحشي”، و”قاس”، و”فظائع”. لا أعلم ما الكلمات التي يجب أن نستخدمها ليدرك الجميع ما يحدث في هذا البلد، النساء والفتيات وكبار السن والرجال والفتيان، كلهم عالقون في هذه المأساة… ربما من الأفضل سؤال جهات أخرى ليست على الأرض مباشرة لمعرفة لماذا الوضع على هذا النحو”.

الفاشر صدمة للإنسانية
ترسم التقارير الأممية صورة قاتمة للوضع داخل السودان وعلى الأكثر في مدينة الفاشر التي تسيطر عليها قوات “الدعم السريع”، غير أن ما عبرت عنه المنسقة الأممية يتجاوز القدرة الإنسانية على التحمل إلى الدرجة التي تسببت في صدمة لدى العاملين الإنسانيين. وتقول براون إن “ما حدث في الفاشر كان قاسياً للغاية. أعتقد أن كثراً منا وجدوا ذلك صادماً جداً. نحن الذين نعمل في هذا المجال معتادون على التعامل مع المعاناة والعنف، لكن ما حدث كان بدرجة من الوحشية والحدة التي صدمتني حقاً. لقد صدمت الجميع حتى الآن”.
وتمضي بالقول “لقد كان لذلك تأثير كبير علينا جميعاً. عملت في أماكن كثيرة وتعاملت مع قدر كبير من العنف والحروب، لكن هذا بدا شرساً على نحو خاص. أبلغ عن مقتل 6 آلاف شخص خلال ثلاثة أيام، ومن المرجح أن يكون هذا الرقم أقل من الواقع لأنه استند إلى جمع المعلومات من الفارين، من دون حتى وجود وصول مباشر لما حدث، تخيلوا حجم هذه الوحشية، تخيلوا ذلك. نعم، هناك أسئلة كبيرة حول ما يجري هنا ولماذا يقف العالم متفرجاً بينما يحدث ذلك”.
فرضت قوات “الدعم السريع” التي تخوض حرباً ضد الجيش السوداني منذ أبريل 2023 حصاراً على مدينة الفاشر طوال أكثر من 500 يوماً، ذلك قبل أن تسقط المدينة تحت سيطرتهم خلال الـ26 من أكتوبر 2023. والشهر الماضي، نددت البعثة الدولية المستقلة لتقصى الحقائق في السودان بوقوع “أعمال إبادة جماعية” في المدينة منذ سقوطها بقبضة القوات التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي).
وخلصت البعثة التابعة للأمم المتحدة، ضمن تقرير بعنوان “خصائص الإبادة الجماعية في الفاشر”، إلى أن “نية الإبادة الجماعية هي الاستنتاج المنطقي الوحيد الذي يمكن استخلاصه من الأعمال الممنهجة لقوات “الدعم السريع” داخل هذه المدينة الواقعة في إقليم دارفور، وهي منطقة في غرب السودان عانت ويلات العنف خلال العقد الأول من القرن الحالي.
وفصَّل بيان مرفق بالتقرير هذه الأعمال، متحدثاً عن عمليات “قتل موجهة عرقياً، وعنف جنسي وتدمير، وتصريحات علنية تدعو صراحة إلى إبادة المجتمعات غير العربية، ولا سيما الزغاوة والفور”. وقدر مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان أخيراً أن ما لا يقل عن 4400 شخص قتلوا داخل المدينة، خلال الأيام الثلاثة الأولى من هجوم “الدعم السريع”، إضافة إلى أكثر من 1600 آخرين أثناء فرارهم، لكنه أشار إلى أن عدد القتلى الفعلي “أعلى بكثير”.
“3” شروط للتفاوض مع “الدعم السريع”
مع انهيار الوضع الإنساني في الفاشر، اضطرت المنسقة الأممية للتفاوض مع “الدعم السريع” للسماح بإدخال المساعدات للمواطنين المحاصرين، وعلى رغم رفض دينيس الكشف عن تفاصيل المفاوضات قائلة إنها “مسائل سرية”، فإنها أوضحت أن قبل دخول البعثة الأممية للفاشر، وضعت ثلاثة شروط أساس تمثلت في ضمان مرور آمن عند الدخول والخروج، وعدم مرافقة أي ميليشيات مسلحة لهم خلال التحركات، والتمكن من زيارة المواقع التي حددها المسؤولون الأمميون مسبقاً. وبالطبع “عندما دخلنا خلال ديسمبر 2025، كانت الأولوية القصوى بالنسبة إلينا مستشفى السعودي ومستشفى الأطفال. هذه هي النقاط العامة التي نتفاوض حولها”.
استغرق التفاوض مع “الدعم السريع” وقتاً طويلاً، فبينما وقعت المجازر التي ارتكبتها الميليشيات خلال أكتوبر 2025، لم تتمكن الأمم المتحدة من الوصول إلى سكان المدينة سوى خلال الـ26 ديسمبر 2025 فحسب، وتقول المنسقة الأممية “كان لا بد من التأكد من قدرتنا على الدخول والخروج بأمان، وكنت أعلم أيضاً أن تدخلنا سيكون إنسانياً خالصاً، خالياً من أي محتوى سياسي. لذا، شعرنا بارتياح كبير جداً عندما تمكنا من الدخول، شعور بالارتياح الشديد”.
وتضيف أنه من المهم أيضاً أن نتحدث عن إمكانية وصول المجتمع الإنساني إلى المناطق المحيطة بالفاشر، فعلى رغم أن هذه المجتمعات لم تكن محاصرة بصورة مباشرة، فإنها تأثرت بالقتال الدائر في الفاشر.

الألغام تعوق الإغاثة
لا يزال ليس بإمكان المنظمات الإنسانية الوصول إلى جميع المحتاجين للدعم الإنساني، فما بين فقر الإمكانات وضعف التمويل وخطورة الحركة لا يزال هناك آلاف يعانون بينما لا يسمع عنهم أحد. فتُقر دينيس أنها لا تستطيع الوصول إلى الجميع، “ما زلنا لا نتجول في كامل المدينة، تخيلوا أنه بعد أكثر من 500 يوم من القتال، وبعد القصف المكثف خلال أكتوبر الماضي، نحن قلقون جداً من الألغام والأجسام غير المنفجرة التي قد تكون على الطرق أو داخل المباني، تلك المناطق لم تُفحص بعد. لذلك، نقتصر على مناطق محددة من المدينة حيث يمكننا السير على الطرق الآمنة”. وتضيف “نعلم أن هناك 17 مخيماً صغيراً داخل المدينة، لأن الناس نزحوا من جزء إلى آخر. نرى بضعة آلاف من الأشخاص ما زالوا يقيمون في المدينة”.
وتشير المنسقة الأممية إلى حالة النزوح المستمر للاجئين السودانيين في الداخل، جراء العنف المتواصل. وتقول “التدفق المستمر للناس، وضربات المسيرات، والخوف من ذلك، والحاجة الأساس للعيش، كل هذه العوامل تدفع الناس للحركة، وهم مستمرون في النزوح”.
تسيطر قوات “الدعم السريع” على جزء كبير من إقليم دارفور، وبسؤال المنسقة الأممية عن مدى إعاقة عناصر الميليشيات للعمل الإنساني، عدت السؤال معقداً، وقالت “لا أستطيع مشاركة التفاصيل الدقيقة، لكن ما يمكنني قوله أن الأمم المتحدة متحركة وحاضرة في جميع أنحاء السودان حيث يحتاج الناس إلى المساعدة بسبب الحرب. وهذه محادثة أجريها بانتظام مع السلطات هنا في بورتسودان”.
وتضيف “لقد سهلت لنا السلطات، ولا بد أن أقول، تحركاتنا في دارفور. للأمم المتحدة وجود هناك لأغراض إنسانية فحسب، وليست سياسية. دوري ليس الاعتراف بأي طرف، فهذا ليس من مسؤوليتي، بل مسؤوليتي أن نكون حيث يحتاج الناس إلينا. وبوضوح، هذه هي الحال في دارفور وكذلك داخل جنوب كردفان”.
وتقر دينيس بأنهم واجهوا “صعوبات كبيرة في التحرك خلال العامين الماضيين، لكن الأمور تحسنت… ما زال أمامنا مزيد لننجزه، بالتأكيد، ولا أقول إننا وصلنا إلى المستوى المطلوب بالكامل، لكن من الناحية التيسيرية، كان دور السلطات داخل بورتسودان أساسياً جداً في تمكيننا من أداء عملنا”.
عالجوا مصدر الحرب… أوقفوا تدفق الأسلحة
يزيد الدعم الخارجي للصراع في السودان من معاناة الشعب، وبسؤالها عن تأثير ذلك في العمل الإنساني وإيصال المساعدات، قالت إن الحرب ليست مفهوماً مجرداً بل هي تجسيد لـ”العنف والمعاناة والموت”، مضيفة “لا أستطيع منع المعاناة، لا أستطيع. ومن يقف وراء تدفق الأسلحة التي تسمح باستمرار هذه الحرب، هذا هو المصدر الذي يجب معالجته… مرة أخرى، عملي داخل هذا البلد إلى جانب شعب السودان، ومع النساء والأطفال الذين يدفعون ثمن هذه الحرب. ويجب على حكومات العالم والجهات الفاعلة المؤثرة أن تتعامل مع هذا السؤال، بينما نحن في المجتمع الإنساني نبذل قصارى جهدنا بالموارد المتاحة لنا، والتي كانت غير كافية على الإطلاق لتلبية هذه الحاجات، ونحن ننتظر أن يجد العالم حلاً”.
وتابعت “ما أود قوله هو عالجوا مصدر الحرب، وسأواصل أداء عملي داخل هذا البلد طالما لدينا التمويل، وطالما استطعنا التفاوض على الوصول الآمن”.
بسؤالها عن مدى سرعة تحسن الوضع الإنساني إذا توقف الدعم العسكري الخارجي لجميع أطراف الصراع فوراً، أوضحت المنسقة الأممية أن الأمر لن يستغرق وقتاً قصيراً بالنظر إلى حجم التأثير، قائلة “نحن نتحدث عن سوء تغذية لدى البالغين، ونتحدث عن اقتصاد منهار وإنتاج زراعي متضرر، وهذا سيتطلب بعض الوقت للتعافي. لو تمكنا من التدخل ومعالجة الأسباب داخل بعض المناطق، سننقذ حيوات. إنها مجرد الخطوة الأولى، فقط الخطوة الأولى. وسيكون ذلك دعماً كبيراً جداً، وسأكون ممتنة للغاية. لكن لا، نحن نتحدث عن فترة طويلة حتى يتمكن الناس من التعافي”.




