مقالات

المشروع السلطوي الضيق

خالد عمر يوسف

يسعى البرهان لتصميم مشهد البلاد السياسي والعسكري وفقاً لمشروعه السلطوي الضيق الذي يريد التشبث بكرسي الرئاسة بغض النظر عن كيفية تحقيق هذا الهدف أو تبعات الطريق الذي يسلكه لبلوغ هذه الغاية.

يتغنى الجنرال بالثوار “السانات والراستات” في أيام الثورة الأولى للتقرب من قواها، في ذات التوقيت الذي يتحالف فيه مع الحركة الإسلامية تحت الطاولة، لينقلب معها على الفترة الانتقالية في 2021، ويمكنها من إشعال الحرب عقب فشل الإنقلاب، ويفتح لها الأبواب على مصراعيها للتكسب من استمرارها وإعاقة كل محاولات ايقافها، وحينما يغرق مركب الحركة الإسلامية ويفضح دورها الإرهابي، يسعى للقفز من مركبها باستئجار عناصر محسوبة على قوى الثورة ليقدموا له يد العون في محاولة خداع الإقليم والعالم، ليكرروا خلفه سؤاله المثير للسخرية “وينهم الإسلاميين؟!”.

يزور الجنرال عنتبي سراً ويلتقي برئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ليعرض نفسه كجزء من مشروع التطبيع في المنطقة، وفي ذات التوقيت يعقد صفقات السلاح والتعاون الاقتصادي والسياسي مع النظام الإيراني مرتدياً عباءة ما يسمى ب”محور المقاومة”، لا يهمه أي محور وأي فكر يعبر عنه، المهم فقط من سيبقيه في السلطة حتى وان كان ثمن ذلك هو إلقاء السودان في اتون صراعات اقليمية ودولية ينوء جسد البلاد عن تحمل وطأتها.

يسمح الجنرال بتمدد الجيوش الموازية والجماعات المسلحة خارج مؤسسات الدولة، فيعدل لها النظم والقوانين، ويغض البصر عن تجنيدها وتسليحها وتمويلها، ومن ثم يرفع راية حماية مؤسسات الدولة الشرعية ك”قميص عثمان”، وهو أكثر من أضر بها وتلاعب بوحدتها وتماسكها.

يدعي التأثر بالانتهاكات والجرائم المروعة التي حدثت في حق الأبرياء العزل، ويستخدمها للتكسب السياسي بالترويج لحجة ترفض السلام بدعوى حرمة الحوار مع من أجرم في حق الناس، ومن ثم ينقلب كلياً على ذات الحجة باحتضان المجرمين من كل حدب وصوب ومنحهم العطايا والتقاط الصور الضاحكة معهم، كأنما يسخر الرجل من خفة عقل من صدق أنه يكترث لآلام الناس ومصائبهم.

هذا هو الواقع كما هو دون تزييف أو تجميل. الكارثة الكبرى أن هنالك من يريد أن يزين للناس الباطل بأن يتحملوا الموت والدمار واللجوء والنزوح، مختبئاً خلف شعارات براقة لا مصداقية لها، والحقيقة هي أن كل من تأثروا بهذه الحرب يدفعون هذا الثمن الباهظ للغاية من دمائهم وأموالهم وحياتهم مقابل تسلط قلة على رقاب الناس وبقائها في السلطة فقط.

من أراد أن يخدم هذا المشروع فله كل الحق في ذلك، فالإنسان مخير فيما يتبعه من طرق، أما نحن فقد اخترنا طريقاً مغايراً قوامه قول الحق وعدم التراجع عنه رهبة أو رغبة، وهو طريق شاق ولكنا لن نعود من منتصفه، فلا معنى لحياة يغض فيها المرء الطرف عن مثل هذا الإجرام في حق بلاده لأي سبب من الأسباب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع